Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الدبلوماسية السعودية تصنع الفرق

A A
منذ أنْ وقَّع الملك فيصل بن عبدالعزيز -حين كان وزيرًا للخارجيَّة- على ميثاق الأُمم المتحدة عام 1945، ارتبط اسم المملكة العربيَّة السعوديَّة ارتباطًا وثيقًا بالشرعيَّة الدوليَّة، وبناء منظومة السِّلم العالميِّ. وعلى مدى ثمانية عقود، لم تكتفِ المملكةُ بعضويَّة المؤسسة الأمميَّة، بل تحوَّلت إلى ركيزة رئيسة في دعم الوساطة، وتقديم المساعدات الإنسانيَّة، وتعزيز العمل متعدِّد الأطراف في مواجهة الأزمات.

واليوم، تتجدَّد هذه المكانة مع انطلاق المؤتمر الدوليِّ حول حلِّ الدَّولتَين في نيويورك، برئاسة مشتركة سعوديَّة - فرنسيَّة، وبمشاركة واسعة من الدول الأعضاء. هذا المؤتمر يأتي في لحظة فارقة، حيث ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 153، بعد انضمام بريطانيا، وكندا، وأستراليا، والبرتغال إلى قائمة الاعترافات. وبذلك يصبح الاعتراف الدولي بدولة فلسطين هو القاعدة، بينما تبقى قلَّة من الدول خارج الإجماع.

التحرُّك السعوديُّ يحمل دلالات عميقة، فمن جهة، يعكس نجاح الدبلوماسيَّة السعوديَّة في نقل القضيَّة الفلسطينيَّة من دائرة الوعود والبيانات، إلى دائرة الالتزامات والآليَّات الدوليَّة، ومن جهة أُخْرى، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليَّته التاريخيَّة في تنفيذ قراراته ومواثيقه. فالمملكة ترى أنَّ الحلول السلميَّة، عبر المنابر الأمميَّة، هي الطريق الوحيد لوقف دوَّامة الصِّراع في الشرق الأوسط، وتحقيق الأمن للجميع.

هذا الدور لم يبدأ اليوم، بل تأسَّس عبر مبادرات سعوديَّة راسخة في الأُمم المتحدة. فقد قدَّمت المملكة في 2011 تبرُّعًا قدره 100 مليون دولار لإنشاء مركز الأُمم المتحدة لمكافحة الإرهاب (UNCCT)، في خطوة عزَّزت من قدرة المنظَّمة على مواجهة التطرُّف العابر للحدود. كما قادت عام 2008 مبادرةً رائدةً للحوار بين الأديان والثقافات تحت مظلة الجمعيَّة العامَّة، لتجفيف منابع الكراهية، وبناء جسور التفاهم بين الشعوب، إدراكًا منها أنَّ السَّلام المُستدام يبدأ من العقول والقلوب، قبل أنْ يُترجَم على الأوراق والمواثيق.

إنَّ الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينيَّة، ليس مجرَّد مكسب سياسيٍّ، بل هو تثبيتٌ لحق أصيل في تقرير المصير، والحريَّة، والاستقلال، كما نصَّت عليه قرارات الشرعيَّة الدوليَّة. ومن خلال هذا الزَّخم، تُفتح الطريق أمام تسوية عادلة ودائمة، تقوم على إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، ورفع المعاناة الإنسانيَّة عن غزَّة وسائر الأراضي الفلسطينيَّة.

لقد أكَّدت السعوديَّة، في احتفاليَّة مرور ثمانين عامًا على تأسيس الأُمم المتَّحدة، وفي اجتماعاتها الأخيرة، أنَّ رسالتها تقوم على ثلاث ركائز: الشرعيَّة الدوليَّة، التنفيذ الواقعي، والدعم الإنساني المسؤول. وبينما تتحوَّل الجمعيَّة العامَّة من منبرٍ خطابيٍّ إلى منصَّة لصناعة الحلول، تثبت المملكة أنَّها شريكٌ فاعلٌ في تحويل المبادئ إلى واقع.

وهكذا، يتَّضح أنَّ السعوديَّة لم تأتِ إلى نيويورك لمجرَّد المشاركة الرمزيَّة، بل لتقود مع المجتمع الدوليِّ مسارًا جديدًا نحو سلام عادل ودائم، يعيد للفلسطينيِّين حقَّهم، ويمنح للمنطقة استقرارًا طال انتظاره.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store