Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

السعودية والثلاثة الأثافي

A A
يتميَّز العربُ قديمًا وحديثًا في تسيير حياتهم؛ باستجلاب المخزون الثقافيِّ الكبير للغتهم العربيَّة من عبارات مجملة، وأمثال رصينة، وحكم بالغة، وألفاظ مترادفة لوصف متغيِّرات حياتهم سلمًا أو حربًا، وحكايات متنوِّعة؛ لذا نجدهم بارزين في مختلف ألوان النَّثر والشِّعر على حساب التميُّز في المنتج العلميِّ والتقنيِّ، ومن أبرز العبارات التي تحمل مدلولًا عميقًا، نجدهم يطلقُونَها دومًا لوصف العمل الجمعيِّ للأوطان، سواء كان ذلك على مستوى القبيلة، أو الطائفة، أو الدولة، تلك العبارة هي: (الثلاثة الأثافي)، والثلاثة الأثافي، يُقصد بها الحجارة الثلاثة التي يضعها العرب قديمًا تحت القِدر للطَّبخ، حيث لا يستقيم القِدر إلَّا بتلك الأحجار الثلاثة -على الأقل-.

ولعلِّي هنا أستجلبُ هذه العبارة الجميلة والعميقة لوصف واقع الحال الذي تعيشه بلادي الحبيبَّة المملكة العربيَّة السعوديَّة، فهذه المملكة العظيمة، التي أصبحت تُعدُّ من الدول المتقدِّمة، والتي تُعدُّ عنصرًا مؤثِّرًا في السياسة والاقتصاد العالميَّين، تتمثَّل تلك الثلاثة في القيادة، والمجتمع، والموارد، فهي ما يقوم عليه حِراك الوطن التنمويِّ بأكمله، فالقيادة التي قيَّضها الله تعالى لحكم هذه البلاد، تُعدُّ قيادةً حكيمةً راشدةً قويَّةً أمينةً تتمثَّل في العائلة السعوديَّة، التي قامت على ثلاث مراحل، الأولى قبل حوالى 300 عام، ثم تلتها القيادة الثانية، ثم القيادة الثالثة التي بدأها القائدُ المؤسِّسُ الفذُّ الحكيمُ الملكُ عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب اللهُ ثراهُ- فهو مَن جَمَعَ شتات هذا الوطن في مملكة واحدة، بذلك الجهد العظيم، والحكمة البالغة، والسياسة المحنَّكة التي قضى فيها على الخلافات القبليَّة، والصِّراعات المستدامة، وجعل هذا الوطن الكبير تجمعه قيادة واحدة، ثم جاء من بعده أبناؤه الحكماءُ الذين تمثَّلوا بالسياسة التي خطَّها لهم المؤسِّسُ -يرحمه الله- ليبقى هذا الوطن ينمو ويتعاظم يومًا بعد آخرَ، وها نحن اليوم نعيش حالة التسارع الحضاريِّ والتنمويِّ في عهد الملك سلمان -أدامه الله- وولي عهده الحكيم الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله، وسدد خُطاه- وهو الشاب الذي أبهر العالم بما يقدِّمه لوطنه وشعبه.

وفي جانب آخر، يأتي المجتمع السعوديُّ الذي يُعدُّ الأثاف الثَّاني، الذي يقومُ عليه هذا الوطن العظيم، هذا المجتمع الذي وهبه الله تعالى قوَّةً مُهابةً، وفكرًا وقَّادًا، وحرص على بناء وطنه والارتقاء به إلى مصاف الدول المتقدِّمة، والذي مثَّله القائدُ الشابُّ الأميرُ محمد بن سلمان بجبل طويق لعلوِّه وثباتهِ وهيبتهِ، وبما أنَّ المثل العربيَّ -أيضًا- يقول -مَا يبنِي في الدِّيار إلَّا حصَاهَا- فإنَّهم حتمًا مَن سيضحُّون من أجل تراب هذا الوطن، وهذا ما تحرص عليه قيادتنا، وبنت عليه سياستها منذُ عهد المؤسِّس -طيَّب اللهُ ثراهُ- وبما أنَّ المجتمعات تتضافر مصالحها، وكل مجتمع يخدمُ الآخرَ، بما لديه من العلم والمعرفة كطبيعة إنسانيَّة، فإنَّ قيادتنا تستعين بالكثير من المجتمعات الشقيقة والصديقة؛ للمساهمة مع المجتمع السعوديِّ في بناء تنميته، لكنَّ ذلك بالطَّبع سيتضاءل حتمًا في المستقبل، بعد أنْ يتم إحلال أبناء الوطن مكانهم، بعد اكتساب المعرفة والتجربة.

أمَّا الأثاف الثَّالث، فهو الموارد الطبيعيَّة التي يمتلكُها الوطنُ فوق الأرض وفي باطنها، والمواقع الإستراتيجيَّة التي تُعدُّ منافذ عالميَّة تتحكَّم في الاقتصادات العالميَّة، فالمملكة تقع في وسط العالم، وتتحكَّم في قاراته، من خلال البحار والمحيطات التي تحدَّه من عدَّة جهات، كالبحر الأحمر، والخليج العربي، والمحيط الهنديِّ عن طريق بحر العرب، والأماكن المقدَّسة التي جعلها الله تعالى مهدًا للرسالة المحمديَّة، وغيرها من الرسالات السماويَّة القديمة، بالإضافة إلى الموارد الطبيعيَّة التي وهبها الله تعالى لهذا الوطن على ظاهر الأرض، أو في باطنها، سواء كانت سائلةً كالبترول والغاز وغيرها، أو جامدةً كالمعادن بمختلف أثمانها، وهذه الثلاثة التي تميِّز المملكة عن الكثير من الدول، وتُعدُّ الأدوات الفاعلة التي تمتلكها القيادةُ والشعبُ لاستثمارها في البناء التنمويِّ واستثمارها خير استثمار، وتلك حتمًا تُعدُّ الأهم؛ كونها مصادر القوة لتفعيل بناء الإنسان، وتنمية المكان.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store