عندما خلق الله تعالى عباده، منحهم كنزًا عظيمًا لو تم استثماره الاستثمار الإيجابي، فسيعمر الأرض، ويكتشف أسرارها، ويكتشف أسرار الكون وما فيه من إبداع ودقَّة وتنظيم، فهذا الكنز العظيم الذي يتمثَّل في كل العمليات الذهنيَّة التي يؤدِّيها المخ لا يزال أغلب مهاراته مكتنزةً لم تُستثمَر، حيث أثبتت الدراسات العلميَّة أنَّ العباقرة والمخترعين لم يستخدموا من مهارات تفكيرهم سوى 10٪ من ذلك الفكر المكنوز، وما نعيشه هذه الأيام من مخترعات متلاحقة، تجعلنا نقف عاجزين عن الإلمام ببعضها، ما هو إلَّا جزء يسير من الفكر المكنوز لدى البشر، فتلك المخترعات التي تسهم في تيسير سبل الحياة وتطويعها لخدمة الإنسان، تتم من خلال أعمال التحليل والتفسير والمقارنة والنقد والإبداع والاختراع والتطويع، وحل المشكلات الحياتيَّة، وذلك الفكر هو حتمًا مَن يسهم في دعم وحدانيَّة الله -سبحانه- واستنباط النتائج من المقدِّمات، واستقراء المستقبل وأحداثه.
وفي كتاب الله -تعالى- نجدُ أنَّ الله -سبحانه- يعاتبُ عباده على تجاهل ذلك الكنز، ويحثُّهم على استخدامه، كما في الكثير من الآيات القرآنيَّة مثل: (أَفَلَا يَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، وفي آيات أُخر كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) وآيات أُخْرى كثر.
فكل الآيات والعبارات السابقة، التي تضمَّنها كتاب الله تعالى، تدعو إلى أعمال الفكر الخلَّاق الذي يبتكر ويخترع ما يُسهِم في الارتقاء بسبل الحياة وتيسيرها للبشر، وهذا يؤكِّد أنَّ كل شيء على هذه الأرض ينمو ويتطوَّر عن طريق هذا الفكر الخلَّاق، ولعل هذا ما نشهده من تطوُّر مذهل في مختلف المناحي الحياتيَّة، وهذا المطلب الرباني هو ما قام بتفعيله وتطبيقه الغرب، أو فلنقل الدول المتقدِّمة غربًا وشرقًا، فقدَّموا للبشريَّة تلك المنتجات التقنيَّة البشريَّة التي يسَّرت لنا كل أمور حياتنا في الطبِّ والهندسة والكيمياء والفيزياء والرياضيَّات والفلك.
لكن المؤلم والمؤسف والمحزن أنَّنا نحن أمة القرآن الذي نزل بلغتنا، وخاطبنا الرَّبُّ عن طريق نبيٍّ من أنفسِنَا لم نلتزم بتلك التعليمات الربانيَّة، وتجاهلنا ذلك الكنز العظيم، الذي وهبه الله تعالى لنا، لنسبر من خلاله أغوار الحياة، كما فعل غيرنا واكتفينا فقط بذكر وتبجيل ما ذكره الآباءُ قبل عدَّة قرون، فأهملنا ذلك الكنز الربانيَّ العظيم حتَّى ضمر دوره، فأصبحنا أمةً ضامرةً تقوم على استهلاك ما ينتجه الغيرُ، وأصبح الفكر الذي نحمله يسوقنا نحو المجهول كالأنعام، أو أضل سبيلًا، كما في قوله تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، وهجروا، وتجاهلوا كتاب الله تعالى، والصحيح من سُنَّة نبيِّه، فضلُّوا وأضلُّوا كما في قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) واكتفُوا بما قال آباؤهُم كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
وبالعودة إلى واقع الحال الذي نعيشه نحن -العرب- لوجدنا أنَّ بعض المؤسَّسات التعليميَّة تُسهِم بدرجة كبيرة في قمع ذلك الفكر، من خلال المبالغة في سبل التحريم، بل هي محرَّمات بشريَّة بالإضافة إلى المبالغة في الممنوعات التي لا تؤثِّر على مسار الحياة والأخلاق الحميدة، بل يتم تطويعها من قِبل بعض المربِّين؛ لكسب الهيبة الوهميَّة والطَّاعة العمياء، وكم أتمنَّى لو كان الأمر بيدي، لوضعت لكلِّ مقرر عناصر رئيسة فقط، وطلبتُ من الطلبة البحث حولها، وتجميع ما يجدونه، وجعل رأي كل طالب حولَها هو معيار التقييم، فهنا حتمًا سيتم تحفيز وتعزيز القدرات الفكريَّة؛ لتبدع، وتخترع، وتنتج كما هو الحال في الدول المتقدِّمة.
وفي جانبٍ آخرَ نجدُ أنَّ بعض المجتمعات العربيَّة تُسهِم بدرجةٍ كبيرةٍ في تحييز معلومات المقرَّرات باتِّجاه فكرٍ محدَّد كالمذهب، أو الطائفة، أو الفئة، ونجد منابر أُخْرى تُسهِم في ذلك القمع، والتحييز، كالإعلام بمختلف صوره، والمنابر الدعويَّة، وزاد الطين بلة، ما استجدَّ من برامج التواصل التي استُخدمت في غير محلِّها، فهنا حتمًا يتم غلق أبواب الفكر، وقمعه، وتحييزه حتَّى يتحوَّل بعد حين إلى عجينةٍ ضامرةٍ فاقدة التفكير، فتكون النتيجة الحتميَّة بعد عدَّة عقود، إنتاج مجتمعات جاهلة ضامرة متخلِّفة، كأنَّهم الأنعام إنْ لم يكونُوا أضلَّ سبيلًا.


