تفاجئنا بعضُ التجارب الفاشلة؛ بجوانبها المُضيئة، وقصص بعض التقنيات العسكريَّة تعكسُ أمثلةً رائعةً وغير متوقَّعة لهذه الظاهرة.. ومثال الحسَّاسات الإلكترونية بالذات من التطبيقات الرَّائعة على ذلك.. فضلًا تأمَّل في عدد الحسَّاسات التي تستعملها يوميًّا.. بدءًا من الحسَّاسات في مكيِّف الهواء أثناء نومك التي تتحكَّم في درجة حرارة ورطوبة الهواء.. إلى الحسَّاسات في هاتفك المحمول الذي يستشعر -بمشيئة الله- وضعه؛ نسبةً إلى الأرض، ويستشعر بصمتك، ووجهك للتشغيل، والإشارات غير المرئيَّة لتشغيل الشبكات المختلفة، وأكثر.. وهناك أيضًا مستشعرات في مطبخك لضبط درجة حرارة ورطوبة ثلاجتك.. وفي سيارتك لقياس مقدار كثافة الهواء والرطوبة للتحكُّم في مقدار الوقود الداخل إلى المحرك عبر البخَّاخات للاحتراق، وهناك مجموعات تراقب حركة السيَّارة وتوازنها وتوقُّفها؛ حتى لبعض الطرازات ذات الخبرة الطويلة على الطريق.. يعني السيَّارات القرمبع، أو مَن في حكمها..
ولو تأمَّلنا في بدايات موضوع الحسَّاسات؛ سنجد أنَّ معظم جذوره الحديثة عسكريَّة.. بدأت في حرب فيتنام قبل حوالى ستين سنةً.. وللتذكير أنَّ فيتنام كانت مقسَّمة للشمال، وكانت ميولها اشتراكيَّة، وتدعمها الصين والاتحاد السوفيتي.. والجنوب؛ وكانت تدعمها الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، والفلبين، وتايلند، وإسبانيا، وكان يربط الشمال والجنوب درب يتكوَّن من مجموعة مسارات بريَّة وبحريَّة يطلق عليه مسار «هوه شيه منه»، على اسم القائد الفيتنامي الشماليِّ العنيد. وكان الدرب أشبه بالكابوس المزعج للقوات الأمريكيَّة؛ لأنَّه كان مصدر الإمدادات العسكريَّة والمدنيَّة من الشمال إلى الجنوب.. ولم تفلح القوات الأمريكيَّة في تدميره بالقنابل من الأرض أو الجو؛ بالرغم من كثافة الضرب المبرح جوًّا وبرًّا وبحرًا عبر السِّنين. واقترح وزير الدفاع الأمريكي -آنذاك- «روبرت ماكنمارا» أنْ يتم بناء «سور إلكتروني» مشبع بالحسَّاسات على أجزاء من مسار الدرب للرَّصد والتجسُّس.. وللعلم؛ كان هذا الوزير من أذكى مَن رأس وزارة الدفاع في تاريخها بخلفيَّة دراسيَّة ومهنيَّة رفيعة المستوى.. وكُرِّست أفضل التقنيات لذلك المشروع الجبَّار، فتم إطلاق مجموعة حسَّاسات متطوِّرة بالنسبة لتلك الفترة الزمنيَّة، ومنها حسَّاسات الحركة، والحرارة، والاهتزازات، والرطوبة، والنفايات الصلبة، والسائلة والغازيَّة، والتغيُّرات المغناطيسيَّة.. تم تطوير هذه المستشعرات وتوزيعها على مئات الكيلومترات على الدرب، بتكاليف وصلت إلى ما يعادل عشرة آلاف مليون ريال في تلك الأيام.. وللعلم، سعر اللاند كروزر الجديدة -آنذاك- كان حوالى خمسة آلاف ريال.. وكانت النتيجة كارثيَّة، فلم تفلح كل التقنيات في وقف التدفُّق الهائل في البشر، والمعدَّات العسكريَّة بين شمال فيتنام وجنوبها.. وتم الاعتراف رسميًّا بأنَّ «مشروع السور الإلكتروني» كان «خيبة» كُبْرى، وضياع للرِّجال، والأموال، والعتاد الأمريكي.. ولكن مع مرور السِّنين، تمَّ تطويع وتطوير تقنيات تلك الحسَّاسات لتلائم الاستخدامات المدنيَّة في مجالات مختلفة، بعيدة -كل البعد- عن القتل والدمار.. فبدأت تظهر في المطابخ، والسيَّارات، والمكيِّفات، والهواتف بطرق غير متوقَّعة.
* أمنيـــــة:
يفاجئنا العالم اليوم بالتَّهاون مع قضايا قسوة الحروب، وخصوصًا الحرب على المدنيِّين في غزَّة، علمًا أنَّ بعض الأسلحة المستخدَمة متطوِّرة جدًّا، وفتَّاكة للغاية، ومُدمِّرة في هدم الحجر، ولكنَّها لم تؤثِّر على صمود البشر.
أتمنى أنْ نرى تطويعًا لخيبة تقنيات الأسلحة التي لم تفلح في كسر عزيمة الشعوب لصالح البشريَّة مستقبلًا.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو من وراء القصد.


