في مقالٍ اجتماعيٍّ لافتٍ بعنوان: (لا تؤخِّر فكرةَ الزَّواج)، لزميل الحرف والكلمة، في صحيفة المدينة الأستاذ أحمد الظفيري، أثار موضوع تأخُّر الشَّباب عن الزَّواج؛ بحجَّة (بناء المستقبل)، وبأنَّهم لن يكونُوا مستعدِّين للزَّواج إلَّا بعد الوظيفة، والادِّخار الكامل!.. وقارن الزميل بساطة الماضي الذي كُنَّا نعيش فيه، بمستوى معيشي محدود، لا شهادات تحكمنا، ولا وظائف مرموقة ننتظرها، ولكنَّه السعي في الحياة، (وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى).
أثار الموضوع في نفسي الكثير من الأفكار التي عصفت في ذهني؛ لوجود مخاطر اجتماعيَّة جرَّاء تأخُّر الزَّواج، وربما عدم الإنجاب، ونحتاجُ إلى حلول اجتماعيَّة لتداركها قبل فوات الأوان.
صحيح أنَّ تكاليف الحياة أصبحت باهظةً، لكن هناك أمور كانت متوفِّرة في السابق، تكاد تختفي هذه الأيام، فالأبوان كان لهما دور كبير في دعم ومساندة الابن في تأسيس بيت الزوجية، وكذلك مشاركة الأهل والأقارب في طقوس الأفراح، وما تتطلَّبه من ولائم واستعدادات، ولكن أصبحت الأنانية سائدةً، بالرغم من القدرة الماليَّة، وبقي الأبناء يُصارعُون ظروفًا خانقةً.. وأصبحت بعض الفتيات بما يمتلكن من شهادات ووظيفة جيدة وأفكار، تقول: لا أحتاجُ إلى زواجٍ، أنا أملكُ كلَّ شيءٍ.. وهي بذلك تخالف سُنَّة الله في الكون، وتحرم نفسها من جماليَّات الحياة الأساسيَّة في الاستكانة والحب، وتأسيس بيت الزَّوجية.. فحوَّاء لم تُخلق إلَّا لأنَّ آدم استوحش في الجنَّة، وبها ما لَا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ.. ومع ذلك احتاج إلى غريزة الحب، فخُلِقَت حواء من ضلعه الأعوج؛ لتكون أقرب إلى قلبه.
ولكن دعونا نفكِّر في الآثار المترتبة على عدم الزَّواج الشرعيِّ أو حتى تأخيره:
أوَّلًا: الحرمان من متعة الأبناء، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).. فيصبح العنصر الأساس من زينة الحياة مفقودًا.
ثانيًا: إنَّ عدم الزَّواج وبالتالي عدم الإنجاب يحدُّ من التناسل الشرعيِّ، وهو ما لا يتماشى مع توجيه الرسول الكريم: (تَزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُممَ يَومَ القِيَامةِ).
ثالثًا: في المجتمعات التي حدَّدت النَّسل مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبيَّة، وبعض المجتمعات الأوروبيَّة تُعاني الآن تلك المجتمعات من الشيخوخةِ، فماذا يعنِي ذلك؟!.. إنَّه باختصارٍ تهديدٌ اقتصاديٌّ من قلَّة الإنجابِ أو تحديدِه، حيث انخفضت نسبُ الإنجاب في الصِّين، ويُتوقَّع أنْ تدخل في تحدٍّ كبيرٍ بحلول عام 2029، لعدمِ وجود الكوادر البشريَّة المؤهلة لإدارة الاقتصاد والتطوُّر التنموي في الدولة، وطفت على السطح شيخوخةُ المجتمع، حيث يُتوقَّع أنْ يكون أكثر من (٣٣٠) مليونَ صينيٍّ فوقَ سن الـ٦٥ سنة، وهذه أخبار مقلقة لثاني أكبر اقتصاد في العالم.. وهذا أيضًا ما تُعاني منه الدول الأُخرى التي حدَّدت النَّسل.. فكيف بالعزوفِ عن الزَّواج!؟.
إنَّ الصين الآن تعملُ على تشجيع الإنجاب، حسب وكالة بلومبرغ للأنباء بمبلغ (٥٠٣ دولارات) سنويًّا عن كلِّ طفلٍ يُولَد. بل إنَّها تقوم بتقديم علاج الخصوبة مجانًا للمواطنين، في إطار مخطَّط التأمين الوطنيِّ؛ سعيًا منها للحدِّ من تراجع معدِّل المواليد.
أتذكَّرُ حينما أرادتْ إحدى الجمعيَّات الخيريَّة العريقة في مكَّة تأسيس روضة للأطفال، وبعد دراسة الجدوى الاقتصاديَّة وجدُوا أنَّ النتائج غير مشجِّعة؛ لأنَّه لن يكون هناك عدد كبير من الأطفال للالتحاق بالرَّوضة بعد عشر سنوات من الآن!! وهذا مؤشِّر خطير، علينا تداركه، ووضع خطَّة محكمة لتشجيع الشَّباب على الزَّواج والإنجاب، وإعادة التوازن الاجتماعيِّ للأُسر السعوديَّة بجودة الحياة، وهي أحد أهم أطر رُؤية ٢٠٣٠م. وأخيرًا، أختمُ بما قاله الزَّميل الظفيري: «تزوَّجُوا مبكِّرًا وابنُوا حياتكُم.. فالبركةُ تنزلُ حينما تتشارك الطريق معَ مَن يساندكَ».


