Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

الفقر في المجتمعات صناعة بشرية

A A
يمكن تعريف الفقر، أنَّه وصول الإنسان إلى درجة النقص الحاد في تحصيل موارد الحياة الأساسيَّة، وبلوغ الفرد درجة الحرمان من تحقيقها، كالغذاء، والكساء، والدواء، ويقيني أنَّ هذه الحالة موجودة عند كل الأمم، ولكنها تختلف بنسب متفاوتة تقل أو تزيد، حسب موارد تلك الدول، وحسب جودة أنظمة توزيع ثروتها وجودة قيم العدل والمساواة عند القائمين على توزيعها؛ لأنَّ قيمتَي العدل والمساواة حثَّ عليها الله -سبحانه وتعالى- وجعلها معيارًا ربانيًّا لجودة الحياة عند كل البشر، ولكن في غالب الأمر نجد أنَّ اتِّساع شريحة الفقراء في العالم كان له أسباب يمكن حصرها في:

- اتِّساع رقعة الأنظمة الرأسماليَّة التي تقوم على الملكيَّة الفرديَّة لمراكز الإنتاج، والتي تسعى دومًا إلى تحقيق أكبر مصلحة خاصة من الأرباح والتحكُّم في الموارد الأساسيَّة للحياة على حساب الشريحة العظمى من الشعوب، فهذه الأنظمة وللأسف الشديد أصبحت تُعدُّ الغالبية العُظمى داخل مؤسسات الدول، وخاصة إذا ساهمت الدول بأسلوب أعمى في نهمها للمال.- القيادات التي تسيِّر تلك المجتمعات، ومدى اتِّباعها للأنظمة القامعة لأصحاب رؤوس الأموال المتحكمين في تلك الموارد.

- إنَّ القائمين على تلك الأنظمة الرأسماليَّة يمتهنُون ويتغنُّون ببعض الشعارات المظلِّلة؛ لكسب وفرض شرعيتهم على المجتمعات، مثل أنَّ الله تعالى هو مَن جعلهم فقراء، وجعل غيرهم أغنياء، بينما نجد أنَّ الله -جلَّ جلاله- عدلٌ، وعنده العدل المطلق، حيث فرض الزكاة والصدقات، التي خصَّ بها هذه الفئة، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ولأهميتها كرَّرها سبحانه في عشر آيات في كتابه الكريم، وجميعها يلي الأمر بها، الأمرُ بالصَّلاة كما حثَّ سبحانه على الصدقة على الفقراء والمحتاجين في إحدى عشرة آيةً في كتابه الكريم، ويقيني أنَّ هذا لو تم تحقيقه من قِبل البشر القادرين، لم يبقِ على وجه الأرض فقيرًا، فالله سبحانه لم يأمر بالفقر، بل نسبه إلى الشيطان، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فهاتان الآيتان تردَّان على كلِّ مَن ينسب الفقر البشري إلى الله تعالى، والغريب في الأمر أنَّ أغلب الفقراء أصبح على قناعة تامَّة أنَّ الله هو مَن جعله فقيرًا، والبعض منهم استسلم لذلك التراث الموجَّه والمدجَّج بالمكذوبات، حتى أنَّ الكثير من تلك الفئة يعتبر أنَّ الفقر وطلبه عمدًا يُعدُّ مطلبًا إيمانيًّا لنَيل نعيم الجنة، بعد أنْ أصبح أسيرًا لتلك المكذوبات البشريَّة؛ ممَّا كان له الأثر في جعل أغلب فئات المجتمع خاملًا ضامرًا غير منتجٍ، وهذا حتمًا يتعارض تمامًا مع التوجيهات الربانيَّة التي تحثُّ على العمل واتقانه، وطلب الرزق، وإعمار الأرض، كما في قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون)، وحثَّ سبحانه على العمل الصالح من أجل عمارة هذه الأرض كما في قوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). ويقيني أنَّ مثل هؤلاء الفقراء، لو اُتيحت لهم الفرص المناسبة، وفُتحت لهم أبواب الإنتاج وفق قدراتهم، بالإضافة إلى ما يُقدَّم لهم من نصيب الزكوات والصدقات، ولكن وفق أنظمة تربويَّة وتوجيهيَّة، لم يبقَ على وجه الأرض فقيرٌ إلَّا مَن ابتلاه الله تعالى بعاهة مزمنة تعيقه عن العمل، أو مرض أقعده وأفقده الحركة والجهد.. والله من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store