لم تعد عبارة «أنا في اجتماع»، مجرَّد جملة تُقال لتبرير انشغال مؤقت، بل أصبحت ظاهرةً منتشرةً بين صغار الموظَّفين، والمتحدِّثين الرسميِّين، والعلاقات العامة، حتى تحوَّلت إلى وسيلة تبرير جاهزة «للتقاعس»، أو «التهرُّب من المسؤوليَّات». هذه العبارة، التي كان يستخدمها «المسؤول الكبير» فعلًا؛ لانشغاله باجتماعات حقيقيَّة، أصبحت اليوم سلاحًا في يد البعض؛ لإظهار أهميَّة مصطنعة، أو إيهام الآخرين بأنَّه مشغولٌ جدًّا. في الأصل، الاجتماعات أداة لتنظيم العمل، وتبادل الأفكار، واتِّخاذ القرارات، لكنَّها في كثير من الجهات تحوَّلت إلى روتينٍ مملٍّ، بل وإلى درعٍ يتخفَّى خلفه بعض الموظَّفين لتبرير التأخير، أو التهرُّب من الردِّ على الاتصالات، أو تأجيل إنجاز المهام، والأسوأ أنَّ بعض الموظَّفين الشباب بدأوا يُقلدُون هذه السلوكيَّات من رؤسائهم، وكأنَّها من علامات الوجاهة، أو المكانة الوظيفيَّة. عبارة «أنا في اجتماع»، أصبحت تعكسُ ثقافةَ عملٍ مريضة في بعض المؤسَّسات، تقوم على المظاهر لا على الإنتاج، فالمسؤول الذي يُمضي أغلب يومه في اجتماعات، دون نتائج ملموسة، يساهم في تعطيل (عَجَلة العمل) أكثر ممَّا يدفعها للأمام، وكذلك الموظَّف الذي يختبئ خلف هذه العبارة، يعطي انطباعًا زائفًا عن الجديَّة والانشغال، بينما الأداء الحقيقي غائب.
المطلوب اليوم هو «إعادة هيبة الكلمة» إلى معناها الحقيقيِّ، فليس العيب أنْ تكون في اجتماع، لكن العيب أنْ تجعل منه ذريعة للغياب، أو ستارًا لعدم الإنجاز.
المؤسَّسات الناجحة هي التي تعقد الاجتماعات عند الحاجة فقط، وتخرج منها بخططٍ تنفيذيَّةٍ واضحة، لا بكلماتٍ منمَّقة وشعور بالإنجاز الزَّائف.
حان الوقت لأنْ نراجع ثقافة العمل لدينا، وأنْ نُفرِّق بين الانشغال الحقيقيِّ، والانشغال المتصنَّع.
فعبارة «أنا في اجتماع»، يجبُ أنْ تعود إلى معناها الأصيل، وهو التفرُّغ للنقاش المثمر، واتِّخاذ القرار، لا التهرُّب من المسؤوليَّة، أو صناعة الوَهَم الإداريِّ.


