شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا غير مسبوق للمطاعم بمختلف أنواعها، حتى باتت في كلِّ حيٍّ وزاويةٍ، وتحوَّلت إلى الخيار الأوَّل لكثير من الأُسر، بعدما تراجع اهتمام بعض الأُمَّهات، أو الزوَّجات، أو حتَّى الأخوات في المطبخ المنزليِّ. وأصبح «الأكل الجاهز» هو المسيطر على موائد أكثر العائلات بشكل شبه يوميٍّ تقريبًا، حتَّى باتت بعض البيوت لا تفوح منها رائحة الطبخ كما في السابق.
هذا التحوّل يثير تساؤلات عدّة: لماذا عزف الكثيرون عن الطبخ المنزلي؟، هل هو ضيقُ الوقت، وضغوطُ العمل؟ أم أنَّ سهولة تطبيقات التوصيل، وسرعة الخدمة جعلت الناس يُفضِّلون شراء الطَّعام بدلًا من تحضيره؟. بعيدًا عن أسباب الرَّاحة والسُّرعة، يظلُّ جانب الصحَّة والنظافة هو الأخطر في هذه المعادلة. فالمستهلك لا يعرف مدى نظافة المطبخ الذي أُعدَّ فيه الطعام، ولا جودة المكوِّنات المستخدمة، ولا حتَّى سلامة العامل، أو المُوصِّل الذي يتعامل مع عشرات الطلبات يوميًّا، دون متابعة صحيَّة صارمة. وهنا يظهر هاجس «سلامة الغذاء»، الذي يغيب عن بال الكثيرين في خضم الرَّكض وراء الوجبات السَّريعة والجاهزة.
ومن زاويةٍ اجتماعيَّةٍ، يمكن القول: إنَّ تراجع الطبخ المنزليِّ أفقدَ بعض العائلات جزءًا من دفئها وتواصلها، إذ كان المطبخُ ساحةَ لقاءٍ يوميٍّ، يجتمع فيه أفرادُ الأسرة على إعداد الطَّعام ومشاركته. أمَّا اليوم فقد حلَّت «التطبيقات» محلَّ تلك الرَّوابط الأُسريَّة، فأصبحت الوجباتُ تأتي مُغلَّفةً بلا روح. ومع كثرة التطبيقات، وتنوُّع الوجبات، أصبح المشهدُ أقرب إلى شكلٍ من أشكال التفكُّك الأُسريِّ، حيث بات كلُّ فرد من العائلة -إلَّا مَن رَحِمَ رَبِّي- يطلبُ طعامه الخاص، ويتناوله بمفرده، فلا يجتمعُونَ كما كانُوا، لا في يوم، ولا حتَّى في أيام.
يبقى السؤالُ الملحُّ: هل نحن أمام تغير طبيعي في أنماط الحياة؛ بسبب العمل السريع وضغط الوقت؟ أم أننا استسلمنا للكسل، وتركنا عادة الطبخ المنزلي، التي كانت تحفظ صحتنا وروابطنا الأسرية؟!.
* خاتمة:
ما هو الحلُّ لاستعادة التوازن بين الراحة التي تقدِّمها المطاعم، وسلامة الغذاء الذي نستهلكه يوميًّا؟!.


