Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

دروس من التاريخ نتائج الحروب

A A
شهد العالم منذ مطلع القرن العشرين الميلاديِّ مآسي وحروبًا مدمِّرة، أتت على الأخضر واليابس، وما زالت تلك المآسي مستمرَّةً في مناطق عدَّة من العالم، ومنطقتنا العربيَّة من أكثر المناطق تضرُّرًا بها، وإنْ لم تكن بذات حجم ودمار الحربين العالميَّتين الكُبْرى الأولى والثانية، وكأنَّ العالم لم يتعلَّم من التاريخ، ولم يستوعبه رغم سعيه لإقامة منظَّمات دوليَّة تهدف إلى منع حدوث الحروب مثل منظَّمة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدوليَّة.

الحرب العالميَّة الثانية (1939- 1945م) كانت أكبر الحروب، وأكثرها دمارًا؛ نتيجة لتمدُّدها على أغلب مساحات الكرة الأرضيَّة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وكنتيجة لها خسر العالم قرابة (60) مليون شخصٍ، ثلثاهُم من المدنيِّين. الطرفان الرئيسان فيها دول المحور ألمانيا واليابان وإيطاليا، فقدوا قرابة (3) ملايين شخص، وتم تدمير مدن بأكملها، لعل أكثرها مأساةً ناجازاكي وهيروشيما. ودول الحلفاء بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، فقدوا أضعاف ذلك العدد، حيث بلغ عدد قتلاهم قرابة (35) مليون شخص، ودُمرِّت دول بأكملها فرنسا وبولندا، ومدن كُبْرى لندن وبرلين.

يصفُ المؤرِّخ الأمريكيُّ توماس باترسون (ت 1916م) نتائج تلك الحرب بقوله: «إنَّ الدمار الرَّهيب الذي شهده العالم بين أعوام 1939-1945م كان شاملًا وعميقًا؛ لدرجة انقلب العالم معها رأسًا على عقب، ليس فقط عالم البشر بعمَّاله، ومزارعيه، ومفكريه، وتجَّاره، وعائلاتهم، ومجتمعاتهم، بل كل ذلك معًا، وتمَّت زعزعة عالم السياسات الرَّاسخة، والحكم والتقاليد الموروثة، والمؤسَّسات والتحالفات والطبقات الاجتماعيَّة».

ويصفُ وزيرُ الخارجيَّة في عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان، دين أتشيسون (ت 1971م)، الذي يُعتبر من مهندسي العديد من المنظومات الدوليَّة بعد الحرب العالميَّة الثانية ما حدث بقوله: «إنَّ نظام وبنية العالم الذي ورثناه من القرن الـ19م ولَّيَا إلى غير رجعةٍ».

رغم كل هذه الأرقام المخيفة والمذهلة، عجزت المنظَّمات الدوليَّة، والحكومات العالميَّة الكُبْرى عن إيقاف المآسي التي شهدها ويشهدها العالم بعد الحرب العالميَّة الثانية، علمًا أنَّ الدول المنتصرة فيها أنشأت منظَّمة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدوليَّة، ومحكمة الجنايات الدوليَّة؛ لوقف أيِّ اعتداءات وسياسات توسعيَّة، ولكن بغير نتائج فعليَّة -بكلِّ أسفٍ- وكأنَّ العالم لم يتعلَّم بعد من نتائج مآسي الحروب، كما هو حادث اليوم في غزَّة، التي تشهد دمارًا هائلًا في بنيتها العمرانيَّة، ومقدَّراتها البشريَّة، والاقتصاديَّة، والصحيَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store