Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

فلتـــــــــــــــــة

A A
المقصود بالعنوان؛ هو المستوى الفريد من الذكاء، وتطبيقاته.. وفوز العالِم السعوديِّ البروفيسور عمر ياغي بجائزة نوبل في مجال الكيمياء، التي أعلن عنها خلال الأسبوع الماضي، يخضع لهذا الوصف على المستويين النظريِّ والتطبيقيِّ.. وقبل الخوض في التفاصيل، أودُّ أنْ أعودَ لمثالٍ تاريخيٍّ عام 1911، عندما غيَّر العالِم الألماني «فريتز هابر» تاريخ البشريَّة بأكملها، بعدما ابتكر اختراعه المذهل للحصول على النشادر من الهواء.. وكان من أهم الاختراعات؛ لأنَّه فتح باب صناعة الأسمدة الصناعيَّة بتكلفة منخفضة، ويسَّر زراعة المحاصيل بأشكالها وأنواعها -بمشيئة الله-، وكانت من أصعب الاختراعات وأكثرها تعقيدًا؛ لدرجة أنَّه حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1918، بالرغم من تاريخه الداكن الملطَّخ بالدِّماء.. كان متورِّطًا في ابتكارات الأسلحة البشعة، ومنها استخدام الغازات المميتة.. ونعود لعالِمنا العربيِّ الفذ الذي غيَّر عالم المواد -بتوفيق الله- باكتشافه الأطر المعدنيَّة العضويَّة، وهي شبكات من الجزيئات التي تتكوَّن من روابط عضويَّة مثبَّتة بذرَّات معادن في أطرافها، وبدون أيِّ جدران، قدَّم للعالم مجموعات من المواد التي تتميَّز بالثبات، والمساميَّة العالية، وسهولة التصميم، والأسطح الهائلة، فضلًا عن تخيُّل كميَّة الشَّاهي بداخل كيس شاهي «ربيع»، ما يعادل تلك الكميَّة من المادة العضويَّة المعدنيَّة التي اكتشفها د. عمر، ممكن أنْ تغطِّي مساحة تعادل مساحة ثلاث ملاعب كرة قدم دوليَّة. وهذه المعلومة -في حد ذاتها- أغرب من الخيال، ولكن هناك المزيد. غيَّر البروفيسور عمر بهذا الاختراع عالم الكيمياء؛ لأنَّه فتح باب تصميم العديد من الجزيئات الرائعة في مجالات متعدِّدة، ومنها في الطب والصيدلة، وتنقية الهواء، وتخزين الغازات، وإدارة الطاقة.

واليوم لو بحثت في الإنترنت عن مصطلح الهياكل العضويَّة المعدنيَّة Metallic Organic Frameworks (MOF)، فستجد آلاف الابتكارات من علماء، وجامعات، ومراكز أبحاث مختلفة؛ بسبب مبادرة هذا العالِم الرائع عبر حوالى ثلاثين سنة. وهناك المزيد، فقد تناول البروفيسور عمر موضوع حصاد المياه بعبقريَّة. ابتكر وفريقه المتميِّز طرق لاستخدام الأطر المعدنيَّة العضويَّة لاستخراج الماء من الهواء، وتفوَّق على اختراع الألماني «فريتز هابر» المذكور أعلاه، بعلمه وأخلاقه. وللعلم، فكميَّة الماء المعلَّقة حولنا في الغلاف الهوائيِّ على كوكبنا، تفوق كميَّة الماء في جميع الأنهار والبحيرات في العالم. وهي من مصادر المياه غير المستغلَّة، علمًا بأنَّ ثلث سكَّان العالم يعيشون في مناطق تعاني من «الإجهاد المائيِّ»، وأكثر من ثلثي دول العالم تستورد المياه بطريقةٍ أو أُخْرى، وهي جزء من الأمن القوميِّ العالميِّ. وبتوفيق الله، تمَّ تطبيق التقنية التي قدَّمها د. عمر وفريقه البحثي للحصول على المياه، ويمكن تطبيق تقنية استخراج الماء من الهواء بسهولة، باستخدام هذه الهياكل، تبدأ من مستوى رطوبة يعادل 20% فقط، وهو أقل من ربع المستوى في أجواء مدننا الساحليَّة خلال مواسم الرطوبة العالية.

* أمنيــــــة:

هنيئًا للوطن، والعالم العربيِّ، والعالم بأكمله بإنجاز البروفيسور عمر ياغي، بابتكارات كيمياء الشبكات لتغيير العالم، ليس فقط لأنَّه حصل على أوَّل جائزة نوبل للمملكة العربيَّة السعوديَّة، والثالثة في مجال الكيمياء للعلماء العرب بعد د. أحمد زويل -رحمه الله- في عام 1999 ود. منجي باوندي عام 2023، ولكن لأنَّه فتح أبواب اختراعات ذات فوائد مذهلة للبشريَّة أجمعين.

أتمنَّى أنْ نتذكَّر أنَّ العلوم تفتح أبواب الخير والسلام -بتوفيق الله- للبشريَّة، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store