«أمَّا بعد.. فإنَّ جوجل، والفيس بوك، وتويتر (X سابقًا)، وجميع برامج التَّواصل، بحرٌ عميقٌ، ضاعت فيه أخلاقُ الرِّجال!!، الشيَّاب منهم، والشَّباب، وابتلعت أمواجُه العديدَ من النَّاس، وهلكَ فيه خلقٌ كثيرٌ».
وفي هذا السياق، فإنَّ البعض يتساءل: لماذا هذه المواقع مجانيَّة، ولا يتقاضُونَ ثمنَهَا؟ لتأتي الإجابة: لأنَّها تستهدفكَ أنت وغيرك، فعندما لا تدفع ثمن البضاعة، فاعلم أنَّك أنت البضاعة.
هذا ما يراه الدكتور عمر عبدالكافي وغيره، ويستشهد بعضهم بالجوَّال المحمول، ويصفُونَه أنَّه من أخفِّ ما يكون حملًا ووزنًا، ولكن قد يكون من أثقل ما يكون وزرًا وحملًا بالآخرة.
ولذا، فإنَّ علينا أنْ نُحسن استخدامه، وأنْ نكون فيه كالنحَّلة، لا نقف إلَّا على الطيِّب من الصَّفحات؛ لتحقيق النفع العام.
ويؤكد الدكتور عبدالكافي، النُّصح بأنْ يحرص المرءُ على أنْ لا يكون كالذباب؛ يقف على كلِّ شيءٍ: الخبيث والطيِّب، فينقل الأمراض من دون أنْ يشعر. ويُذكِّرنا الدكتور عبدالكافي، أنَّ الإنترنت سوقٌ كبيرٌ، ولا أحدَ يُقدِّم سلعتَه مجانًا، والكلُّ يريدُ مقابلًا، فمنهم مَن يريد إفساد الأخلاق مقابلَ سلعته، ومنهم مَن يعرض فكرَه المشبوه، ومنهم طالبُ الشُّهرة، وإيَّاك أنْ تشتري حتَّى تتفحَّص السلع جيدًا، فبعض الرَّوابط فيها فخٌ وتدبيرٌ، وشرٌّ كبيرٌ، ودمارٌ وتدميرٌ.
وعلى المرء أنْ لا يعيد النكات والشائعات، أو أيَّ شيء من المحرَّمات، والنَّصيحة بأنْ يتم اختيار البضاعة قبل عرضها، وأنَّ الثقة المُفرطة بالآخرين تُعدُّ وبالًا، فلا ينبغي أنْ نحكم على الرِّجال من خلال ما يكتبُونَه، وهناك كلمات منمَّقة، وأقنعة مزَّيفة حتَّى من البعض ممَّن يرتدِي عباءةَ الدِّين، والدِّينُ منهُ بَرَاءٌ.
وهكذا دروس عديدة يتعلَّمها المرءُ، ويلزم الأخذ والالتزام بها. وإذا ما أردت أنْ تنأى بنفسك عن المحرَّمات، فابتعد عن شبكة النت، إلَّا بما يعود عليك بالنَّفع المشروع، أو الرَّغبة في التواصل مع مجتمعك، وإلَّا فاهرب من دُنيا النت هروبك من الأسد المفترس. ولعلَّنا نستحضرُ هنا بعضًا ممَّا تطرَّق إليه فضيلةُ الشيخ ياسر الدوسري في خطبة الجمعة بالحرم المكيِّ الشَّريف، الذي حذَّر من سوء استخدام التقنية، والأجهزة الذكيَّة، ومختلف التطبيقات، مؤكِّدًا أنَّ النعمة إذا وُضِعَت في غير موضعها، وغاب الوعي عن مستخدِمَها، صارت نقمةً.
وقد لامس فضيلته كبدَ الحقيقة حين حذَّر من ذلك التعلُّق المَرَضيِّ بوسائل التواصل الاجتماعيِّ، ومن الانغماس في عالمٍ رقميٍّ ليس له حدود، ومن تحوُّل الهواتف من أدوات للوصال، إلى وسائل للانعزال والانفصال، بكلِّ ما يترتَّب على ذلك من انشغال النَّفس عن الطَّاعات؛ بالمعاصي، حيثُ غدت وسائل التواصل لدى البعض مسرحًا للحياة الزَّائفة، ومَوْطنًا للمقارنات؛ التي قادت إلى انتشار العديد من الآفات الاجتماعيَّة، كالحسد والبغضاء.
أمَّا تنبيه فضيلته إلى مخاطر الحسابات المزيَّفة التي تنشر الفتن والشائعات، والأقاويل الملفَّقة دون تثبُّت، فقد كان بمثابة جرس إنذار يستدعي التوقُّف أمامه، والتَّعاطي معه بوعي، وتقديم الحلول العاجلة؛ حفاظًا على السلم الاجتماعيِّ، وحمايةً لأبنائنا من مغبَّة الانزلاق وراء تلك الحسابات المُغرضة.
[email protected]


