عندما خلق الله -سبحانه وتعالى- الجنَّ والإنسَ لم يخلقهما عبثًا، بل خلقهما لمهمَّة ذكرها في كتابه الكريم، وهي عبادته -جل جلاله- كما في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وهذه العبادة سمَّاها الله تعالى بالإسلام، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ)، وخلقهم ليعمروا تلك الأرض، التي أسكنهم فيها، كما في قوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، وبما أنَّ العبادة تستوجب الكثير من السُّبل التي جمعت تحت مظلَّة دِين الإسلام الذي يُقصد به الإستسلام لله بالتَّوحيد، والانقياد له بالطَّاعة، والخلوص من الشِّرك، وهذه العبادة يمكن تسميتها بالإسلام الرَّأسيِّ؛ كونها تقوم على الاتِّصال المباشر بين العبد وربِّه، من خلال إقامة العبادات المفروضة عليه من الله -سبحانه-، والتي تختلفُ في طرق تأديتها وأهدافها، كالصَّلاة، والزَّكاة، والصِّيام، والحجِّ، وما يتضمَّنها كل واحدة منها من الدُّعاء والخضوع والتوسُّل والرَّجاء، وهذا المطلب الدِّيني أكد عليه ربنا تعالى بأنْ لا دين غير دين الإسلام، وأنَّ كلَّ مَن يتَّخذ دينًا غيرهُ فلن يُقبل منه عمل، وسيكون جزاؤه النَّار يوم الحساب، فدينُ الإسلام هو دينُ التَّوحيد الذي أمر الله به كل الأنبياء والرُّسل؛ فاليهوديَّّة، والمسيحيَّة، ليست أديانًا، بل شرائع، أي طرق للعبادة، جاء بها كلُّ رسولٍ لا تخرج عن نطاق التَّوحيد.
وعندما نعود إلى ما كُتب في الشَّريعة المحمديَّة، نجد أنَّ هنالك اختلافًا في الفهم، وخلافًا في التوجُّهات بينهم، أدى ذلك إلى إطلاق آراء بشريَّة بعضها انحرف بأتباع الأديان إلى مسارات مختلفة، كل فئة منها تدَّعي أنَّها على حقٍّ، وأنَّ غيرها على باطلٍ، وأنَّها في الجنَّة، وغيرها في النَّار، وما حدث في كتب التَّوراة، والإنجيل دليلٌ على ذلك، أمَّا بعد الشريعة المحمديَّة، فقد أمر الله -تعالى- بحفظ كتابه المُنزَّل على نبيِّه (القرآن الكريم)، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فالله تعالى حفظ هذا الكتاب من العبث والتَّحريف، وأصبح صالحًا لكلِّ زمان ومكان، لكن الذي حدث أنَّ البعض بفتاواهم وكتبهم كانت متضخِّمة بتلك الآراء الشخصيَّة التي خالف الكثير منها الصَّواب، لما جاء في كتاب الله، وممَّا يدل على ذلك اختلافهم في طرح آرائهم الشخصيَّة، مثل الخلاف بين التحريم، والجواز في أمرٍ شرعيٍّ، فهنا يحدث التناقض التام الذي يوجد خروجهم عن مضامين كتاب الله الكامل التام المُفصَّل المُبين، كما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
ولو نظرنا إلى هذا الموضوع من زاوية تحليليَّة عقلانيَّة نجد على سبيل المثال لا الحصر، أنَّ البعض يقول عن تعريف الإسلام بأنَّه ركنٌ واحدٌ، وهو توحيدُ الله -سبحانه وتعالى- فهنا لم يذكر بقيَّة الأركان كالصَّلاة، والزَّكاة، والصِّيام، والحجِّ، وشهادة أنَّ محمدًا رسولُ الله، وهذا لا يعني نكرانها، بل هي تطلق كواجبات تكون مشروطةَ التنفيذ بعد التَّوحيد، وهناك من يقول بأنَّ الإسلام ليس وليد الشَّريعة المحمديَّة، بل هو مطلب لكلِّ بني آدم، فكلُّ الأنبياء والرُّسل كانوا معتنقين لدين الإسلام، وهذا الثابت في الكثير من الآيات في كتاب الله تعالى، ولم نعلم الصفة التعبديَّة التي كانوا يقومون بها، لكن ورد أنَّهم يقيمون الصَّلاة، ويؤدُّون الزَّكاة، ويحجُّون بيت الله بعد الأمر الذي جاء لسيِّدنا إبراهيم -عليه السلام من ربِّه-.
وفي جانب آخر، يستوجب على المسلم أنْ يقيم العدل والمساواة بين البشر، وأنْ يلتزم بكل ما أمر به الله، وينتهي عن كل ما نهى الله عنه، وأنْ يلتزم بالقيم الفاضلة والسلوكات الحسنة، ولا يكذب، ولا يغتاب، أو ينم، أو يبهت، وأنْ يكون قدوةً حسنةً في كافَّة معاملاته، فلا يفسد في الأرض، ولا يطغى، ولا يظلم، ولا ينهب أموال الغير، وأنْ يخلص العمل الموكل إليه، وهذا هو ما نطلق عليه الإسلام الأفقي؛ كونه يهتم بالمعاملات الحياتيَّة.


