Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

حين جربت العزلة.. وجدت نفسي!

A A
انفصلتُ عن العالم لفترةٍ تجاوزت الشَّهر، بإرادتي. لم يكن القرار سهلًا، لكنَّه كان ضروريًّا؛ كي استعيدَ نفسي. أردتُ أنْ أُكمل مشروعي الرِّوائي بهدوء، أنْ أكتبَ بعيدًا عن الزحام، عن الضَّجيج... في البداية، راودني الخوف من الوحدة، من الصَّمت الطَّويل... لكنْ شيئًا فشيئًا، اكتشفتُ أنَّ العزلة ليست فرارًا من النَّاس، بل عودةٌ صادقةٌ إلى الذَّات.

كنتُ أظنُّ أنَّ الاستقلاليَّة مجرَّد كلماتٍ تُقال، حتَّى جرَّبتها. حين طبَّقتها على نفسي، تغيَّر كل شيء. شعرتُ براحةٍ لم أعرفها من قبل، براحةٍ مَن لا يُطارد أحدًا، ولا ينتظر من أحد شيئًا. توقَّفت عن الإلحاح في التَّواصل، عن الرَّكض خلف من لا يريد البقاء. كنتُ في الماضي أتشبَّثُ بالعلاقات؛ خوفًا من الفَقْد، كأنَّ غياب الآخرين يُهدِّد وجودي. اليوم صرتُ أفهم أنَّ مَن يريدك سيبقى دون أنْ تطلب منه، ومَن يغادرك، فقدْ اختار الخروج من قصَّتك بإرادته.

أعدتُ النَّظر في قائمة مَن حولي، فوجدتُ القلائل الذين لم تنقطع صلتهم بي. كانُوا قلَّة، لكنَّ حضورهم كافٍ. أدركتُ أنَّ العلاقات لا تُقاس بعدد الأسماء، بل بصدقها. شطبتُ كثيرِينَ، لا كرهًا فيهم.. اكتشفتُ أنَّ بعض الوجوه لم تكن حقيقيَّة كما ظننتُ، كانت تعكسُ ما أردتُ أنْ أراه لا ما كانت عليه فعلًا. في العزلة، تسمعُ نفسك كما لم تفعل من قبل. تنصتُ إلى أفكارك، إلى نبضك، إلى ما كنت تؤجِّله من مشاعر. تدرك أنَّ العالم لا ينهار إنْ توقَّفت قليلًا، وأنْ الركض لا يعني الحياة. وجدتُ في العزلة ما يشبه الولادة الجديدة: صفاءٌ داخليٌّ.

الآن، حين أعودُ إلى النَّاس، لا أعودُ كما كنت. أعودُ بقلبٍ مطمئنٍ، يرى الأمور على حقيقتها، ويطلبُ فقط أنْ يظلَّ في سلامٍ مع نفسه.

* من النافذة:

العزلةُ لا تُبعدك عن النَّاس بقدر ما تُقرِّبك من نفسك... تُعيد ترتيب حياتك، وتجعلك تختار مَن يستحقُّ البقاءَ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store