يقول ابن عثيمين -رحمه الله-: «الحجامة ليست سُنَّة، الحجامة دواء إنْ احتاج الإنسان إليه احتجم، وإنْ لم يَحْتَجْ إليه فلا يحتجم»، من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (96/23).
إنَّ الأمور الحياتيَّة، مثل الزراعة، والصناعة، والصحَّة، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمهنيَّة، وتعلُّمها، وتجربة الحياة فيها، وليس لها علاقة بأنْ تكون سُنَّةً نبويَّةً، وقد ثبت ذلك تجريبيًّا أيَّام الرسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كما جاء في الحديث الصحيح، أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- سمع أصواتًا فقال: «مَا هذَا الصَّوتُ؟ قالُوا: النَّخلُ يؤبِّرُونَهَا. فقالَ: لَوْ لَمْ يَفعَلُوا لصَلحَ. فلَم يؤبِّرُوا عامئذٍ فصارَ شيصًا، فذكرُوا للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فقال: إِنْ كَانَ مِن أمرِ دُنيَاكُم فَشَأنُكُم بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِن أمرِ دِينِكُم فَإِليَّ»، وفي روايةٍ «أنتُم أعلمُ بأمورِ دُنيَاكُم» فأمور الزِّراعة والصِّناعة والصحَّة والوسائل الحياتيَّة كلها من أمور الدُّنيَا تخضع لتجربةِ الإنسان فيها، ولا تدخُّل للدِّين فيها، ومن الجهل الشرعيِّ -كما ذكر الشيخ ابن عثيمين- جعل الحجامةَ من السُّنَّةِ النبويَّةِ، وتوظيف كلمة سُنَّة للرِّبح من خلف الحجامة؛ لأنَّ معظمَ الذين يقدمُون على عمل الحجامة، إنَّما يفعلون ذلك؛ لأنها سُنَّة فقط.
إنَّ الأحاديث الواردة في الحجامة صحيحة، لكن دلالتها إرشاديَّة من النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كمَا في قولِهِ: (إِنْ كَانَ فِي أَدويتِكُم شِفاءٌ فَفِي شَرطةِ مُحْجِمٍ)، (إِنْ كَانَ فِي شيءٍ من أدويتِكُم خيرٌ فَفِي شَرطةِ مُحْجِمٍ، أوْ شَربةِ عسلٍ، أوْ لدغةٍ توافقُ الدَّاء، ومَا أحب أنْ أكتَوِي )، حديثه هنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ليس وحيًا، إنَّما هو اجتهادٌ بشريٌّ تمامًا، كما حصل عند إرشاده في توبير النَّخل، ثمَّ حدث عكس ذلك، والحجامة معروفة قبل الإسلام، بل عند كلِّ الشعوب منذ القِدم، فوصَّى بها -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كتزكيةٍ لها بالمعرفةِ، وأرشد إليها.
كما أنَّ هناك خطأ علميًّا بوصف الحجامة، أنَّها تُخرِج الدَّم الفاسد، وهذا غيرُ صحيحٍ بيولوجيًّا (سأوضِّح ذلك -إنْ شاءَ اللهُ- في مقالٍ آخرَ)، الحجامة لونٌ من ألوان الطبِّ البديل، ولها نواحيها الطبيَّة الإيجابيَّة، وفوائدها الجسميَّة، وهذا ثابت علميًّا وبيولوجيًّا وطبيًّا؛ بشرط أخذ الاحتياطات الوقائيَّة من التلوُّث حتَّى لا تكون سببًا في انتشار الأمراض خاصَّة الفيروسات، ويجب الدَّعوة إلى تطبيقها من باب أنَّها مفيدة جسميًّا وطبيًّا، أرشد إليها النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تزكيةً بمعرفتها العلاجيَّة، فهي ليست سُنَّةً كما وضَّح ذلك الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-.


