لا تكاد تمر عدة أيام، إلا وتُفاجئنا وزارة الداخلية بإحصائيات هائلة عن عدد المتسللين والمخالفين لنظام الإقامة؛ الذين يتم ضبطهم والتعامل معهم، سواء بترحيلهم إلى بلدانهم أو تسليمهم إلى السفارات المختصة. فخلال الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري فقط؛ أسفرت الحملات الميدانية المشتركة التي نُفذت في مختلف مناطق المملكة؛ لمتابعة وضبط مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود؛ عن ضبط (21,403) مخالفين، وهذا رقم كبير يُظهر بوضوح حجم الجهود التي تقوم بها وزارة الداخلية لضبط الأمن وحماية البلاد من هؤلاء الأشباح، الذين يُشكِّلون تهديداً مباشراً لاقتصادنا ونسيجنا الاجتماعي.
وإذا علمنا أنه خلال الفترة المذكورة أعلاه؛ بلغ عدد المخالفين لنظام الإقامة (21.403) أشخاص، من بينهم (4650) مخالفًا لنظام أمن الحدود، و(4314) مخالفًا لنظام العمل، إضافة إلى (1874) تم ضبطهم خلال محاولتهم عبور الحدود إلى داخل المملكة، و(36) حاولوا عبور الحدود إلى خارج المملكة بطريقةٍ غير نظامية، فسوف نعلم حجم التحديات التي يتصدى لها رجال الأمن بكل كفاءة.
هؤلاء المتسللون هم في البداية أشخاص مجهولون؛ لا شك أنهم يحملون معهم كثيراً من الممنوعات، مثل المخدرات بأنواعها المختلفة والأسلحة، إضافةً إلى ارتفاع احتمال إصابتهم بأمراض معدية خطيرة تُشكِّل تهديداً للأمن الصحي، وقبل كل ذلك، فهُم أشخاص لا توجد بيانات أو معلومات عنهم، فإذا كانوا من أرباب السوابق والسجلات الأمنية - وهذا أمر مرجح بطبيعة الحال- فإن هناك صعوبة كبيرة في تعقّبهم وملاحقتهم لعدم وجود بيانات أو معلومات عنهم.
ولا شك أن هؤلاء قادمون من بيئات فقيرة تنعدم فيها أساسيات الحياة، وهم بحاجة ماسة إلى المال، الذي سيحاولون الحصول عليه بأي طريقة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية. لذلك فلن يتورَّعوا بطبيعة الحال عن ارتكاب جرائم السرقة أو الإتجار في الممنوعات، مثل الخمور والمخدرات، وتشويه المظهر الحضري لشوارع المدن عبر التسول، وغير ذلك من الممارسات السالبة.
حتى بعد وصولهم إلى داخل المملكة، فإن معظم هؤلاء يختارون العيش في سفوح الجبال وأطراف المدن، ليصعب على الأجهزة الأمنية مراقبتهم وتعقّبهم، وقد شهدنا جميعاً ما حدث في منطقة عسير خلال السنوات الماضية، عندما قام بعض مجهولي الهوية بإشعال حرائق متعمّدة لإعاقة أجهزة الأمن عن ملاحقتهم وضبطهم، وهو ما تسبَّب في حدوث خسائر مادية وبيئية كبيرة.
ومما يُؤسَف له أنه على الرغم من أن وزارة الداخلية وبقية الأجهزة ذات الصلة حذَّرت ولا تزال تُحذِّر - بصورةٍ متواصلة- من تقديم أي نوع من الدعم لهؤلاء، وأوضحت الخطورة التي تنطوي على التعامل معهم أو تشغيلهم أو إيوائهم، أو توفير السكن لهم، إلا أن هنالك من لا يزال يتجاهل هذه التحذيرات، ويُقدِّم لهم الدعم والتسهيلات التي يحتاجونها، دون مراعاة لمصلحة الوطن أو سلامة المجتمع.
فالإحصائية الأخيرة لوزارة الداخلية التي نُشِرت خلال الأيام الماضية؛ تشير إلى أنه في خلال أسبوع واحد فقط من 2 - 8 أكتوبر الجاري، تم توقيف وضبط (29) متورطًا في نقل وإيواء وتشغيل مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، والتستر عليهم. ولا شك أن هؤلاء يلعبون بالنار، ويستخفون بالعقوبات الرادعة التي ستُواجههم، والتي تصل إلى السجن مدة 15 سنة، وغرامة مالية تصل إلى مليون ريال، ومصادرة وسيلة النقل والسكن المستخدم للإيواء، إضافةً إلى التشهير.
ولا زال أمثال هؤلاء من ضعاف النفوس يُمارسون ارتكاب هذه الجريمة، التي تعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، والمخلة بالشرف والأمانة، ويتمسكون بسلوكياتهم التي تهدد المجتمع. فنفوسهم التي أعماها الطمع وامتلأت بالجشع تدفعهم للقيام بتلك الأدوار؛ نظير مبالغ مالية؛ مهما بلغت أرقامها إلا أنها تظل زهيدة إذا ما قورنت بالأضرار التي تُشكِّلها على الوطن ومكتسباته، وعلى الإنسان وسلامته.
الآن، تشن وزارة الداخلية حرباً لا هوادة فيها على هذه الظاهرة، التي باتت تُشكِّل خطراً على مصلحة الوطن وسلامة المواطنين والمقيمين، وذلك بتكثيف الحملات التفتيشية، وزيادة معدلات الوعي بخطورة هذه الفئة، وسيواصل رجال الأمن وكافة عناصر وزارة الداخلية في تصدِّيهم لكافة مَن يُفكِّر في تشكيل خطورة على بلاد الحرمين الشريفين، وستُكلَّل جهودهم بإذن الله بالنجاح التام.
[email protected]


