الأسبوع الماضي، وكما جرت العادة في الجمعيَّة السعوديَّة لكُتَّاب الرَّأي، كان لنا لقاء مميَّزٌ مع رئيس هيئة الهلال الأحمر، الدكتور جلال العويسي، لقاءٌ كانَ مقرَّرًا أنْ يتحدَّث فيه الضَّيف لعشرين دقيقةً، لكنَّه امتد إلى ساعةٍ وأربعين دقيقةً، ولم نُرِدْ أنْ ينتهي، أو يتوقَّف؛ لأنَّ كلَّ دقيقة كانت مليئةً بما يجعلنا نُدرك أنَّ خلف هذا الجهاز عالمًا من الإنسانيَّة، والتَّنظيم والدقَّة.
رأينا مقاطع فيديو لم تكن مشاهدها عاديَّةً؛ كانت لقصصِ إنقاذ حقيقيَّة، لأبطال يرتدُون الزيَّ الأحمر، ويحملُونَ على عاتقهم مسؤوليَّة أنْ تكون حياة الإنسان أوَّلًا.
مشاهد أبكتنا جميعًا؛ لأنَّها لامست تلك المنطقة العميقة في النَّفس، التي تُذكِّرنا بأنَّ الرَّحمة والاحتراف يمكن أنْ يجتمعا في عملٍ واحدٍ.
في حديث الدكتور العويسي، لمسنا كيف انتقلت الهيئة من مجرَّد جهة إسعاف إلى منظومة متكاملة، تُدير «رحلة إسعافيَّة» تبدأ من لحظة تلقِّي البلاغ، وحتَّى وصول المريض إلى المستشفى، وكل ذلك وفق زمنٍ دقيقٍ لا يتجاوز 90 ثانيةً للاستجابة الأُولى، وعشر دقائق للوصول إلى موقع الحالة. إنَّها رحلة محسوبة بالثَّواني، لكنَّها محمَّلة بالمشاعر والمسؤوليَّة؛ لأنَّ كلَّ ثانية فيها، قد تصنع الفرق بين الحياة والموت.
الأهم من كل ذلك، كان حديثه عن الوعي المجتمعيِّ، وعن الدور الذي يمكن لكلِّ فردٍ أنْ يُؤديه في دعم هذه المنظومة، من معرفة طرق الإسعاف الأوَّليِّ، إلى أهميَّة الإبلاغ السريع والتعامل الصحيح في حالات الطوارئ. فالهلال الأحمر لا يتحرَّك بمعزل عن المجتمع، بل يراه شريكًا في إنقاذ الأرواح. خرجنا من اللقاء، ونحن أكثر إيمانًا بأنَّ خلف كل نداء استغاثة هناك قلوبًا تنبض بالمهنيَّة، وأيديَّ تمتدُّ دون انتظار شُكر. إنَّهم أبطال يستحقُّون أنْ تُروى قصصهم، وأنْ تُعرض مبادراتهم كأحد الوجوه المشرقة في العمل الوطنيِّ الإنسانيِّ.
ولأنَّ ما شاهدناه وسمعناه يستحق مساحة أوسع، سأُخصِّص لهم خلال الفترة المقبلة مقالًا آخرَ أو أكثر؛ للحديث عن مبادراتهم وإنجازاتهم؛ لنعرف أكثر عن مؤسَّسة تجعل من 90 ثانيةً؛ بدايةً لرحلةٍ إنسانيَّة لا تُنسَى.


