من كُبْرى الكوارث، التي مرَّت على العالم الإسلاميَّ، منذ بداية الدَّعوة المحمديَّة، وخلال العصور اللاحقة لها، هي الكارثة التي حلَّت على مدينة بغداد، يوم اجتاحها جيشُ التتار المغولي عام 1258م، بقيادة «هولاكو خان»، كانت بغداد هي عاصمة الخلافة العباسيَّة لخمسةِ قرون، ومركزًا حضاريًّا وعلميًّا مزدهرًا، وتشتهر بأنَّها «مدينة السَّلام» التي بناها الخليفة «أبوجعفر المنصور»، ثاني خلفاء بني العبَّاس، والذِّي يُعدُّ المؤسِّس الحقيقي للدولة العباسيَّة، وتُعتبر بغداد في تلك الفترة من كُبْرى مدن العالم في المساحة، وعدد السكَّان.
استباح جيشُ التتار المغولي بغداد لمدة 40 يومًا، بعد أن حاصروها لمدة 12 يومًا، وقاموا بحرق ونهب المكتبات والمدن؛ ممَّا أدَّى إلى خسائر فادحة في الحضارة والتاريخ، وقاموا بقتل حوالى مليون مسلم من سكَّانها، وتم قتل الخليفة المستعصم بالله، وأصبح المسلمون -لأوَّل مرَّة- بدون خليفة.
جنكيز خان، مؤسِّس الإمبراطوريَّة المغوليَّة، والتي تُعتبر أضخم إمبراطوريَّة في التاريخ، اجتاح أيضًا في عام 1221م، مدينة نيسابور، الواقعة حاليًّا في شمال شرق إيران، ودمَّر المدينة، وحرقها، وهدمها بشكل شبه كامل، وقام بقتل حوالى مليون وسبعمئة وخمسين ألفًا من سكَّانها المسلمين في يومٍ واحدٍ. ويُقال: إنَّ المؤرِّخَ الإسلاميَّ «ابن الأثير»، والذي يُعدُّ من أبرز المؤرِّخِينَ المسلمِينَ العرب، قد عجز عن تدوين هذه الفظائع في هذه الفترة؛ لدرجة أنَّه ظنَّ أنَّها نهاية العالم، وأنَّها من علامات السَّاعة، وقال عن التتار: «لو قالَ قائلٌ: إنَّ العالمَ منذُ خلقَ اللهُ آدمَ إلى الآنَ لم يُبْتَلَ بمثلِها لكانَ صادقًا، فإنَّ التَّواريخَ لم تتضمَّنْ مَا يقاربُهَا».
وقد رفض «ابن الأثير» كتابة ما حدث من فظائع، وقال مقولته الشَّهيرة: «فمَن الذِي يسهلُ عليهِ أنْ يكتبَ نعيَ الإسلامِ والمسلمِينَ؟، فيَا ليتَ أُمِّي لمْ تلدْنِي، ويَا ليتَنِي مُتُّ قبلَ هذَا، وكنتُ نَسيًا مَنْسيًّا».
بعدها بعامين، تم هزيمة جيش التتار المغولي، في معركة «عين جالوت» في عام 1260م، المعركة التي خلَّدها التاريخ باعتبار أنَّها أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلاميِّ، إذ استطاع جيشُ المماليك، هزيمةَ جيشِ التتار المغولي بقيادة الملك «المظفَّر سيف الدين قطز»، -رحمه الله-، وانقلبت الموازينُ بسرعة، وتم كسر شوكة المغول في منطقة عين جالوت، بفلسطين. أسلمَ القائدُ المغوليُّ «بركة خان»، وجميع أفراد القبيلة الذهبيَّة المغوليَّة، وأصبحوا يقاتلُون المغولَ من بني جلدتهم، من أجل رفعة راية الإسلام، استرجع المسلمُون بلاد الشَّام، ومات زعيم المغول «هولاكو» بحسرتِهِ، وقام «الظَّاهر بيبرس» بهجمات انتقاميَّة ضدَّ المغول، ومَن ساندهم.
ولكنْ ما حير المؤرخين هو دخول المغول إلى الإسلام، خلافًا لما جرت به العادة من اعتناق المغلوب دين الغالب، ثم تحولهم -نتيجةً لذلك- من همج قتلة إلى بناء حضارة.


