هناك تفاصيل صغيرة، لا تندرج تحت بند «قضيَّة القضايا»، لكنَّها تلامس جوهر الروحانيَّة، وتخدش هيبة المكان، ومن هذه التفاصيل التي باتت تثير الاستغراب، مشهد «الشباشب»، والأحذية المتناثرة، عند أبواب بعض المساجد، خصوصًا في صلاة الجمعة.
المسجد بيت الله، والمدخل إليه ينبغي أنْ يعكسَ قدرًا من النِّظام والسَّكينة، لا أنْ يتحوَّل إلى لوحةٍ من الفوضى البصريَّة، والرَّوائح المزعجة، الأغرب أنَّ هذه الفوضى تُمارس من روَّاد جاءُوا في الأصلِ لطلبِ الصَّفاء الرُّوحيِّ، فإذا بالمشهد الخارجيِّ يشي بشيءٍ من التناقض بين النيَّة والسلوك.
المسألة ليست جماليَّة فحسب، بل تتجاوزها إلى البُعد الصحيِّ، فكم من الأمراض الجلديَّة والفطريَّة تنتقلُ عبر تبادل الأحذية، أو لمسها في هذا التَّزاحم العشوائيِّ؟ بل إنَّ بعض المساجد تحوَّلت مداخلُها إلى بُؤرِ تجمُّع للأتربة والرطوبة، والسَّبب غياب التنظيم والوعي بأبسط قواعد النَّظافة العامَّة.
وهنا تبرز نقطة أُخرى، لا يمكن تجاهلها، تتعلَّق بالعمالة التي تعمل في المشروعات، والمواقع الميدانيَّة، والذين يدخل بعضُهم إلى المساجد مباشرةً بعد عملٍ شاقٍّ، وتحت حرارة الشَّمس، كثيرٌ منهم يأتُون من قُرى نائية في شرق آسيا، ويفتقرُونَ أحيانًا إلى الوعيِ الصحيِّ، أو العاداتِ النَّظيفةِ، ولا يصحُّ أنْ يكونَ الحلُّ بإبعادِهم أو إحراجِهم، بل بتنظيمٍ إنسانيٍّ راقٍ.
فلو خُصِّصت في المساجد -لوجه الله تعالى- أماكن بسيطة للاستحمام قبل الصَّلاة، أو وضعت لوحات إرشاديَّة بلغاتهم تُذكِّرهم بآداب النَّظافة قبل دخول المسجد، لكان ذلك أجمل تطبيق لمفهوم «الإسلام سلوك وحضارة، قبل أنْ يكون طقوسًا وشكليَّاتٍ».
نحنُ نتحدَّث عن دولةٍ تتصدَّر مشروعات التحوُّل السياحيِّ والانفتاح الحضاريِّ، ويزورها الملايين من السيَّاح، كثير منهم يدخل المساجد بحبٍّ وفضولٍ لمعرفة الوجه الحقيقيِّ للإسلام. فهل يليقُ أنْ يكون أوَّل ما يواجههم هذا المشهد غير الحضاريِّ؟ ولأنَّنا في زمن لا تكتمل فيه الفكرة، إلَّا بإجراء، فإنَّ وزارة الشؤون الإسلاميَّة مطالَبةٌ اليومَ أنْ تتعامل مع هذه الظاهرة كجزءٍ من مسؤوليتها عن المظهر العام للمساجد، يمكنها -ببساطة- أنْ تعمم على فروعها تنظيمات موحَّدة: صناديق مخصَّصة للأحذية، مسارات دخول وخروج، حملات توعويَّة ترافق خطب الجمعة، وحتى تعاون مع البلديَّات في وضع تصاميم حضاريَّة لمداخل المساجد.
وكي تكتمل الصورة، فهناك بُعدٌ آخرُ لا يقلُّ أهميَّةً: الخطاب المنبري ذاته، الذي ينبغي أنْ يُواكب تطوُّر الوعيِ الاجتماعيِّ والذَّوقِ العَّام، فيكون داعمًا لترسيخِ قيم النَّظافة والنِّظام والسُّلوك الحضاريِّ في بيوت الله، فهي المنطلق الأوَّل لتربية السلوك العامِّ في المجتمع.
المساجد هي مرايا المجتمع، والخللُ في سلوكها، أو خطابها لا يعكسُ تقصيرًا في النَّظافة، أو الدُّعاء فحسب، بل خللًا أعمق في ثقافة التعامل مع المكان والنَّاس. * نقطة تحت السطر:
حين لا نحترمُ تفاصيلَ المكان، نفقدُ شيئًا من معنى العبادةِ ذاتِهِ... النظامُ في بيتِ الله عبادةٌ، والنَّظافةُ فيهِ جزءٌ من الإيمانِ، والوعيُ بسلوكِنَا أمامَ الآخرِينَ هو صورةُ دينِنَا التي نُعرِّفُ بهَا العالَمَ.


