في كلمات قليلة لكنَّها عميقة، يلخِّص الفاروق عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ- جوهر العلاقة بينَ الإنسان ونفسه بقوله: «حَاسبُوا أنفسَكُم قَبلَ أنْ تُحَاسبُوا، وَزِنُوا أنفسَكُم قبلَ أنْ تُوزَنُوا».
إنَّها مقولةٌ لا تقتصر على البُعد الدِّينيِّ فقط، بل تصلح أنْ تكون قاعدةً أخلاقيَّةً وتربويَّةً ومجتمعيَّةً في كلِّ زمان ومكان.
المحاسبة الذاتيَّة تعني أنْ يراجع الإنسان نفسه، وأفعاله بصدقٍ، وأنْ يقف مع ذاته في لحظة صفاء، يتأمَّل فيها ما قاله، وما فعله، وما أغفله دون تزييفٍ أو تبريرٍ، وقد أدرك سيِّدُنا عمر بن الخطاب، أنَّ الأُمَّة لا تنهضُ ولا تستقيمُ إلَّا إذَا كانَ أفرادُهَا علَى درجةٍ عاليةٍ من الرقابةِ الذاتيَّةِ والضميرِ الحيِّ.
في عصرنا الحديث، ومع تسارع وتيرة الحياة، وكثرة المغريات والضغوط، باتت محاسبةُ النَّفس ضرورةً ملحَّةً، فالتكنولوجيا منحتنا أدوات مراقبة خارجيَّة، ولكنَّها لم تُنمِّ لدينا أدواتِ المراقبة الداخليَّة، وهنا تبرز أهميَّة استحضار هذا المبدأ العظيم في التربية الأسريَّة، والتعليم، والإدارة، وحتى في العلاقات الاجتماعيَّة.
يُعدُّ تعليم الأبناء منذ الصغر كيف يحاسبون أنفسهم، ويعتذرون عند الخطأ، ويدركون الفرق بين الخطأ والخطيئة، أحد أهم عوامل بناء شخصية سوية ومسؤولة، كما أنَّ غرس هذا المفهوم في المدارس والجامعات، من خلال أنشطة التأمُّل والتَّقييم الذاتيِّ يعزِّز من نضج الطلاب أخلاقيًّا وسلوكيًّا.
في اليابان مثلًا، يُطلب من التلاميذ بعد نهاية كلِّ يوم دراسيٍّ أنْ يعبِّرُوا في دفتر صغير عن شيءٍ تم الخطأ فيه، وما تعلَّمُوه منه، أمَّا في بعض الشركات الكُبْرى فهناك جلسات أسبوعيَّة للموظَّفِين بعنوان «التفكير الذاتي»، يتم فيها تقييم القرارات، وردود الأفعال، بعيدًا عن العقاب، أو اللوم، وإنَّما بهدف التحسين المستمر.
إذا تحوَّلت محاسبة النَّفس إلى ثقافة مجتمعيَّة، فإنَّها تحدُّ من الفساد، وتقلِّل من الظلم، وتمنح المجتمع وعيًا ذاتيًّا يسبق التشريعات والعقوبات، فالفرد الذي يزن كلماته وسلوكيَّاته يوميًّا سيكون أقل عرضة للانجراف وراء الأهواء، أو الخطأ بحق الآخرين.
لقد وضع الفاروق بهذا القول قاعدةً ذهبيَّةً لبناء الإنسان السويِّ، حين ربط النجاة في الآخرة، والاستقامة في الدنيا، بقدرة الفرد على محاسبة نفسه طواعيةً، واليوم في ظلِّ التحدِّيات الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة، نحن أحوج ما نكون لإحياء هذا المفهوم في حياتنا اليوميَّة، وتطبيقه في أسرنا، ومؤسساتنا؛ ليصبح الضمير الحي هو القائد الأوَّل.


