منذ تأسيس المملكة، كانت -ومازالت- خدمة الحرمين الشَّريفين أولويَّة قصوَى لملوكها المتعاقبِينَ، فقد أطلق الملك عبدالعزيز آل سعود -طيَّب اللهُ ثراهُ- أوَّل مشروعات التَّوسعة للحرم المكيِّ، وتبعه أبناؤه الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله -طيَّب اللهُ ثراهُم- الذين واصلُوا هذا النهج عبر توسُّعات كُبْرى، رفعت الطَّاقة الاستيعابيَّة للمسجد الحرام، وضمنت راحة وأمن الحجَّاج والمعتمرِينَ، وفي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- تستمرُّ هذه المسيرة المباركة، من خلال التوسعة السعوديَّة الثَّالثة للحرم المكيِّ، التي تُعدُّ الأضخم والأحدث في تاريخ التوسُّعات، وتعكس رُؤية المملكة الطموحة نحو خدمة ضيوف الرَّحمن، وتعزيز مكانة مكَّة المكرَّمة عالميًّا.
وفي الأسبوع الماضي، أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إطلاق مشروع (بوابة الملك سلمان)، بجوار المسجد الحرام في مكَّة المكرَّمة، هذا المشروع الذي يمثِّل نقلةً حضريَّةً وروحيَّةً متكاملةً، تعيد صياغة تجربة القاصدِينَ للحرم المكيِّ، وتجهِّز المدينة المقدَّسة لاستقبال أعدادٍ غير مسبوقةٍ من الحجَّاج والمعتمرِينَ، حتَّى ما بعد 2030، وهو تطويرٌ حضريٌّ ضخم متعدِّد الاستخدامات، يضيف طاقةً استيعابيَّةً تقارب 900 ألف مُصلٍّ في قاعات داخليَّة، وساحات خارجيَّة، ضمن منطقة تطوير تمتدُّ على نحو 12 مليون متر مربع من المسطَّحات البنائيَّة، وتتضمَّن وحدات سكنيَّة، وفنادق، ومراكز تجاريَّة، ومنشآت ثقافيَّة. يدير هذا المشروع شركة (رُؤى الحرم المكيِّ)، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامَّة، في إطار منظومة مشروعات تهدف لتحسين جودة الخدمات، وتسريع الوصول إلى المسجد الحرام، عبر ربط المشروع بشبكات النقل العام، لتسهيل وصول الزوَّار، مع تأهيل حوالى 19,000 متر مربع من المناطق التراثيَّة والثقافيَّة؛ للحفاظ على هويَّة مكَّة التاريخيَّة.
لا يتوقَّف مشروع (بوابة الملك سلمان) على زيادة الطاقة الاستيعابيَّة فحسب، بل سيُسهم المشروع في تحويل مكَّة المكرَّمة إلى مركزٍ عمرانيٍّ وسياحيٍّ عالميٍّ، وخلق أكثر من 300,000 فرصة عمل بحلول عام 2036م.
تُعيد (بوابة الملك سلمان) هندسة المشهد الحضريِّ حول الحرم، عبر شبكة مسارات مشاة آمنة، ومواقف ذكيَّة، وحلول نقل عام متكاملة تربط مناطق الإقامة والخدمات بالمداخل الرئيسة للحرم، بما يحدُّ من الازدحام، ويرفع كفاءة الحركة والانسيابيَّة خلال مواسم الذِّروة، وتستهدف المملكة ضمن رُؤية 2030 تنمية قطاع السياحة الدينيَّة والضيافة؛ ممَّا يجعل هذا المشروع جزءًا محوريًّا من إستراتيجيَّة المملكة لإعادة هيكلة الاقتصاد، بالإضافة إلى تعزيز مكانة مكَّة المكرَّمة كوجهةٍ حضريَّة حديثة بخدمات متميِّزة.
أمَّا (بوابة الملك سلمان) كامتدادٍ عمرانيٍّ جوار الحرم، فيُقدِّم تصوُّرًا لوظائف متداخلة: مناطق للصَّلاة المفتوحة، والمظلَّلة، ومجمَّعات فندقيَّة وسكنيَّة تخدم الزوَّار طويلَي وقصيرَي الإقامة، ومراكز ثقافيَّة ومعرفيَّة تُبرز تاريخ مكَّة وعمارة الحرم، وخدمات مساندة للتشغيل والصيانة والطوارئ، بالإضافة إلى مسارات مشاة وحدائق حضريَّة. هذه المنظومة تُعيد توزيع كثافة الزوَّار، وتُقلِّل الاعتماد على المركبات الخاصَّة، مع تحسين تجربة الوصول والدخول والخروج في أوقات الذِّروة.
هذا المشروع سيُساهم بشكلٍ كبيرٍ في التنوُّع الاقتصاديِّ، إذ تزيد المشروعات المحيطة بالحرم من إنفاق الزوَّار في قطاعات الضيافة والتجزئة والنقل، وتفتح فرصًا نوعيَّة للقطاع الخاصِّ والاستثمار العقاريِّ، وترفع الإنتاجيَّة في سلاسل الإمداد والخدمات، ومن الناحية الاجتماعيَّة فإنَّ التوسُّعات تُحسِّن من جودة حياة سكَّان مكَّة المكرَّمة، عبر بنية تحتيَّة أكثر ذكاءً، وتقليل الضوضاء والازدحام، أمَّا من الناحية التنظيميَّة، فإنَّ هذا المشروع سيُرسِّخ ريادة المملكة في إدارة الحشود والخدمات الكُبْرى، بما ينعكس على بناء القدرات الوطنيَّة في التشييد والتشغيل والصيانة، وإدارة المدن المقدَّسة.
ومن منظور الحوكمة والتمويل، يُظهر اعتماد المملكة على شركات مملوكة لصندوق الاستثمارات العامَّة، مثل (رُؤى الحرم المكي)، اتجاهًا نحو نماذج تطوير وتمويل مرنة تُسرِّع الإنجاز، وتضمن جودة التنفيذ واستدامة التشغيل.
إنَّ توسعة الملك سلمان بشقَّيها الإنشائيِّ داخل الحرم ومشروع (بوابة الملك سلمان) المجاور له، تجسد رؤية وطنية تنموية تجعل من خدمة ضيوف الرحمن معيارًا لتطوير المدينة المقدسة بمواصفات عالمية، تربط بين الأصالة والابتكار، وبين العمارة الروحيَّة والوظائف الحضريَّة المتقدِّمة، ومع اكتمال المراحل وتفعيل منظومات الحركة والخدمات، ستقطف مكَّة المكرَّمة والمملكة ثمرة هذا الاستثمار الكبير، وتُحقِّق اقتصادًا أكثرَ تنوُّعًا وقدرةً على توليد الوظائف، والاستدامة على المدى الطويل.


