يبدو أنَّ مرحلة الطفولة بكل خصائصها النفسيَّة؛ وسلوكيَّاتها ونزقها وسخافاتها التي تُميِّزها، تستمر لدى بعض النَّاس من خلال تصرُّفاتهم، إلى عُمرٍ مُتقدِّمٍ، من المفترض فيه أنْ يتميَّز بالنُّضج النفسيِّ، واستقرار المزاج والاتِّزان الانفعاليِّ، والتصرُّفات المنطقيَّة الرَّاشدة، تماشيًا مع تراكم التجارب، وسنوات التعليم، وخبرات التعامل مع فئات النَّاس، فضلًا عن اضطلاعهم بمسؤوليَّات وظيفيَّة وعائليَّة، تفرض عليهم نوعًا من الانضباط الأخلاقيِّ الأدبيِّ.
لكنَّ الواقع يحكي قصصًا يندى لها الجبينُ خجلًا، عن أُناس يتصرَّفُون بطيشٍ بالغٍ، وسلوكيَّاتٍ صبيانيَّةٍ طائشةٍ، تضجُّ بفرط الأنانيَّة، وحبِّ الذَّات؛ والسَّخافة واضطراب المزاج والشخصيَّة، وضعف القُدرة على تقييم المواقف الاجتماعيَّة، وتقديرها بصورةٍ صحيَّةٍ، بل تصلُ بنزقها إلى العدائيَّة دون تبريرٍ منطقيٍّ، وبخاصَّة في بيئات عمل تتميَّز بضغوطات وتحزُّبات إداريَّة، وفسادٍ مقنَّعٍ، ومسؤوليَّات تستدعي ثباتًا انفعاليًّا وحنكةً في ردود الأفعال.
تكمن المأساة في أنَّ بعض هؤلاء «الطفوليِّين»، هم من الذين يتوسَّدُونَ مناصب تعليميَّة أو إداريَّة، أو أنَّهم من أصحاب الشهادات الأكاديميَّة والمهنيَّة المتخصِّصة، وبذلك يتحكَّمُونَ في مصائر عدد غير قليل من الموظَّفين أو الطُّلاب، وغيرهم من المرضى، والزبائن المراجعِينَ، فيتسبَّبُونَ في الإهمال وتخبُّط القرارات، ويتعدّون بأنانيَّتهم المقيتة على مصالح غيرهم، وكأنَّهم محبوسُونَ في مرحلةٍ عمريَّةٍ تميِّز الطفل بالغيرةِ الشديدةِ على ألعابه، مع انفلات مشاعره، وميوله إلى جذب الانتباه والاهتمام من الآخرِينَ بأساليب غير ناضجة، مثل كثرة التذمُّر، والانفعال غير المبرَّر، والاستعطاف.
من أسباب هذا «النكوص النفسيِّ» صدمات الطفولة المبكِّرة، كالإهمال أو التَّعنيف، وطبيعة التربية في الصغر، كالتدليل المفرط، والحماية الزائدة المؤديَّين إلى فرط الأنانيَّة، وقصور في تحمُّل المسؤوليَّة عند الكِبَر، إضافةً إلى الضغوط النفسيَّة الشديدة المؤدِّية إلى العودة إلى سلوكيَّات الطفولة للشعور بالأمان، فضلًا عن قصور التعليم الأساس، والثقافة المجتمعيَّة في تثبيت القيم العُليا، والالتزام الأخلاقيِّ والأدبيِّ بالمسؤوليَّات المنوطة «بالطفل الكبير»!.
قد يُسهم الطب النفسي السلوكي في علاج هذا الاضطراب المزعج، فأصحابه بشخصيَّات بالغة في العمر الزمنيِّ، طفوليَّة في العادات السلوكيَّة والتصرُّفات الشخصيَّة، تجعل من التعامل معها مهزلةً دراميَّةً لا تخلو من ملهاةٍ وفكاهةٍ، أو مأساةٍ اجتماعيَّة عبثيَّة، ولَا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ.


