الإنسانُ مخلوقٌ من ترابٍ، كما نصَّت على ذلك آياتُ القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)، فمادته ترابيَّة، جعل الله له بعد أنْ خَلَقه من التراب قيمةً اعتباريَّةً، وحقوقًا إنسانيَّةً؛ تكريمًا له، بعيدًا عن أيَّ اعتبارٍ آخرَ غير أنَّه «إنسانٌ»، فليس هناك أيُّ اعتبارٍ للدِّين، أو العائلة، أو القبيلة، أو العِرق، أو الوجاهة، أو المنصب، أو الغنَى، أو المال، إنَّما لأنَّه آدميٌّ فقطْ، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وهي أنْ جعل من مادَّته الترابيَّة «إنسانًا» مكرَّمًا، وهي عمليَّة يمكن أنْ يُطلق عليها «أنسنة التُّراب»، وبالتَّالي فإنَّ أيَّ «إنسانٍ» ليس إلَّا حفنة من ترابٍ تمشي على الأرض، ثمَّ هو يعود في نهاية حياته، بعد أنْ يقضي مشوارَ حياته إلى أصله الذي خُلق منه، كما قال الله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ)، بل بعد موته -أيًّا كان هذا الإنسان- يسرع أهله في إعادته إلى أصله الحقيقيِّ إلى التراب، حيث إنَّ دفنه يُعدُّ إكرامًا له كما قِيل: «إكرامُ الميِّت دفنُهُ».
البعض ينسون أنهم حفنة تراب تمشي على الأرض، فيصطبغون بألوان من العنصرية البغيضة، أو الطائفية المقيتة، أو يتباهون بالجاه، أو المال، أو المنصب، ويصنعون من ذلك الاصطباغ، ومن ذلك التباهي امتيازات وهميَّة من الكبرياء والعظمة، أشار الله إلى أنَّها خاصَّة به، كما جاء في الحديث الصَّحيح: «الكِبرَياءُ رِدَائِي والعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ».
إنَّ الله حفظَ حقَّ الكرامة لكلِّ «إنسانٍ»، وجعل ذلك قيمةً اعتباريَّةً لا يحقُّ لأيِّ «إنسانٍ» آخرَ إهدار كرامته وإهانته مهما أُوتي من مميِّزات، فالإسلامُ نحرَ كلَّ أشكالِ العنصريَّة على عتبةِ الترابِ الذِي خُلقَ منهُ كلُّ «إنسانٍ»؛ ليقول -كما جاء في الحديث الصحيح-: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَبْيضَ عَلَى أسودَ وَلَا لِأَسودَ عَلَى أبيضَ، النَّاسُ مِن آدمَ وآدمُ مِن تُرابٍ»، وليعلنَ أنَّ وحدة التكوين البيولوجي فِي الرَّحم -نشأةً وتصويرًا- واحدةٌ، بل حتى عدد أيام بقائهم في الرَّحم واحدة (تسعة أشهر)، فالكلُّ ابنُ تسعة أشهر، ليس ذلك فحسب، بل أطوار حياتهم واحدة، ضعفٌ، ثمَّ قوَّةٌ، ثمَّ ضعفٌ، ويلحقُ بالجميع في حياتهم بعض الأمراض، وتنتابهم جميعًا وتعتريهم أمورُ الحياة ومشكلاتها، وعند موتهم يعودُون جميعًا إلى أصلهم الترابيِّ الذي خُلقوا منهُ.


