Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

النـــــــــــادرة

A A
ترددت في الآونة الأخيرة سيرة «العناصر الأرضية النادرة» بكثرة.. والمصطلح يصف مجموعة من سبعة عشر عنصراً طبيعياً موجودة بكثرة على القشرة الأرضية.. فضلاً، لاحظ أنها ليست نادرة، ولكن استخراجها، وتنقيتها، ومعالجتها، فيه صعوبة في تقنيات التعدين، وفي المعالجة، لدرجة أنها تستحق وصف «الندرة».. وتتميز بعضها بخصائص مغناطيسية مذهلة، وبعضها تتميز بالثبات وتحمّل درجات حرارة عالية جداً، والبعض الآخر بخصائص فريدة في انبعاث الضوء.. ولذا، تدخل في صناعة مجموعات كبيرة من المنتجات الأساسية في حياتنا، مثل الهواتف المحمولة، والحواسيب، ومكونات السيارات التقليدية، والكهربائية، والهجينة، والمولدات الكهربائية، وبالذات في تقنيات الطاقة الخضراء، وفي المعدات الطبية المختلفة، سواء كانت للفحوصات أو العلاج، والطائرات المدنية والعسكرية، وأشباه الموصلات، وصناعات الفضاء، وغيرها.

وحاليا تحتل العناصر الأرضية النادرة مكاناً إستراتيجياً خاصاً، بسبب زيادة الطلب عليها، وهيمنة الصين على إنتاجها ومعالجتها، بتقديرات تصل إلى حوالى ثمانين بالمائة من الإنتاج العالمي.. وللعلم، فالصين هي المصدّر الأول للولايات المتحدة لهذه العناصر، بالرغم من كل الخلافات، والخصام، والدراما بينهما.. ومن يملك المعادن الخاصة، عادة يستمتع بمكانة خاصة.. وكمثال على ذلك، نجد حالة البرتغال خلال الحرب العالمية الثانية.. كانت تحتكر عنصر «التنجستن» المذهل.. حيث يتميز هذا العنصر بقوةٍ هائلة، وبدرجة انصهار مذهلة، ولذا فيستخدم في صناعة الأسلحة، وبالذات القذائف. وكان حاكم البرتغال خلال فترة الحرب الدكتور «سالازار» يُجسِّد تعريف «الفراخة» السياسية الاقتصادية، فوجد طرقا لبيع العنصر الثمين للمتحاربين من الطرفين بعلمها.. بريطانيا من جانب، وعدوتها اللدودة آنذاك ألمانيا من جانب آخر..

وتمكَّن من التمتع بصفة «الحيادية»، لدرجة أن عاصمة البرتغال «لشبونة» كانت مرتعاً للجواسيس، والتبادلات المالية والتجارية المشبوهة من الأطراف المتحاربة خلال فترة الحرب.. اللعب على الحبلين عيني عينك.. وأمام العالم بأكمله. ونجد أيضاً مثال الكونجو في نفس الفترة، حيث اكتشف فيها عنصر اليورانيوم، فغيّر أهمية البلد اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً. كان ذلك المعدن جوهريا في صناعة القنابل النووية، فأصبحت تلك الدولة ذات مكانة إستراتيجية عالمياً، ولكن جاء ذلك بتكاليف بيئية، واجتماعية، وسياسية، هائلة.

والحمد لله أن المملكة تتمتع بنِعَمٍ هائلة كماً ونوعاً في مجال المعادن بشكلٍ عام، ومنها العناصر الأرضية النادرة، وتتمتع المملكة أيضاً بميزات نسبية في مجال التعدين، ومنها: أولاً تكلفة الطاقة المنخفضة، وهي ضرورية في معالجة المعادن وتنقيتها، وهناك ميزة هائلة ثانية، وهي البيئة التنظيمية المحفزة للاستثمار في المعادن، وتشمل الأنظمة الميسرة والبعد عن التعقيدات للمستثمرين، وثالثاً هناك ميزة موقع المملكة الجغرافي، الذي يسمح بسهولة حركة المواد الخام والمصنعة، ورابعاً ميزة؛ جدية الاستثمار من الحكومة والقطاع الخاص في الثروة المعدنية، التي تنمو بكرم الله.

* أمنيــــــــة:

سأُنهي بالإشارة إلى كلمة سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي لخَّص الموضوع بكل شفافية لإحدى ركائز إستراتيجية الوطن في هذا الشأن: جوهر الموضوع هو ضرورة تحويل الثروة المعدنية، شاملة العناصر الحرجة، والثمينة، والأرضية النادرة إلى أصول مالية تعكس قيمتها الحقيقية..

وذلك بهدف تحقيق أمن الطاقة للمملكة، وللعالم بأكمله. أتمنى أن نتذكر دائماً أن المعادن الطبيعية مهمة، ولكن الأهم هو معادن الرجال، الذين يحرصون على تنمية تلك النِّعَم للأجيال الحالية والمستقبلية بإرادة الله وكرمه، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store