Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
سهيل بن حسن قاضي

مزادات الدِّيات!!

شذرات

A A
قد لا أُفَاجَأ ممَّن يقصد جمعيَّات البرِّ لطلب المساهمة في جمع الديَّة؛ بسبب جهلهم برسالة هذه الجمعيَّات الإنسانيَّة في المجتمع.

أمَّا أنْ يتوجَّه أحد الدَّاعمين لهذه الجمعيَّات؛ لطلب المساهمة في الديَّة، ويُفصح بكلِّ قوَّة أنَّ هذه الديَّة لواحد من الجماعة، فهذا أمر غير مقبول، وعلى كلِّ الجمعيَّات أنْ تنأى بنفسها عن هذه المسائل لاعتبارات عديدة؛ سيتم التعرُّض إلى بعض منها، لعلَّ في مقدمتها أنَّ البعض يحشدُون كل طاقاتهم لجمع الملايين لمعتدٍ على حياة شخصٍ آخرَ، ثبت شرعًا إدانتَهُ، لا لشيءٍ سوى أنَّه ينتمي إلى قبيلته أو جماعته، ظنًّا من بعضهم أنَّ الفزعة في مثل هذه المواقف من مكارم الأخلاق.

يحدث هذا، ومرضى عديدون يُعانُون من شُحٍّ ماليٍّ؛ لكي يتمكَّنُوا من العلاج، وآخرُون في السجون؛ لعدم تمكُّنِهم من سدادَ الدُّيون، وعوائلهم يعيشُون في كَربٍ شديدٍ وآلامٍ متنوِّعةٍ، ولا يجدُون مَن يُفرِّج عنهم الكُربات، والضائقات التي يمرُّون بها.

إذًا، هناك ازدواجيَّة واضحة في معايير الفزعة بكلِّ أسفٍ، وبالتَّالي فلا يجوز أنْ ننصر المدعوم، ونتجاهل المنسي، وهذه ليست من المروءة، بل تبعد صاحبها عن توخِّي العدالة التي ينشدها كلُّ مسلمٍ عاقل.

وفي هذا السياق، أذكر أنَّ الزميل الدكتور عايض الزهراني قد لامس هذا الأمر قبل فترة، ودعا إلى ضرورة تدخُّل الجهات ذات العلاقة؛ لوضع الضوابط القانونيَّة والإنسانيَّة على حملات التبرُّع، ومساءلة مَن يخوض في هذا الأمر، كما طالب بدعم المحتاجِينَ الذين لا صوتَ لهم، وذكر في حديثه بأنَّ العدالة لا تُقاس بالقبيلة، والنَّجدة لا تُمنح بناءً على الشهرة، بل يجب أنْ تكون للحقِّ، وللإنسانِ، ولكلِّ المحتاجين، وأنَّه قد آن الأوان لإعادة البوصلة الأخلاقيَّة، وأنَّ الفزعة للإنسان لا للعشيرة، للضَّعيف لا للمدعوم (الظالم)، وللحياة لا للمظاهر.

قبل سنوات عديدة؛ تشرَّفتُ بالسَّلام على الملكِ سلمانَ، عندما كان أميرًا لمنطقة الرِّياض في مكتبه، وكنتُ أتهيَّأُ للانصراف، فدعاني للجلوس في الكرسيِّ المجاور لموظَّف كان يجلس أمام مكتبه، يعرض عليه المعاملات والبريد. وروى -يحفظه الله- خلال ذلك اللقاء، أحداث قصَّة قتل وقعت في الرِّياض، وانتهت بالقبض على الجاني، وقد رفض أهل المقتول في البداية التنازل عن دم ابنهم، إلَّا بعد دفع ديَّة ضخمة كانُوا يزيدُون مبالغها في كلِّ مرَّة، ثمَّ عادُوا ووافقُوا على العفو عن الجاني (لوجهِ اللهِ وبدونِ أيِّ مقابلٍ ماليٍّ)، وحين عُرضت توصية اللجنة الشرعيَّة على مقامه لاعتماد العفو، رفضَ التوقيع على ذلك العفو، وأمر ببقاء القاتل بالسِّجن. وعندما استفسرتُ منه عن سبب ذلك الرَّفض، قال -يحفظه الله-: "أسرةُ المقتول يريدُون خروجَه من السِّجن حتَّى يقتلُوه، ولهذَا اتَّخذتُ هذَا القرارَ"، وأضاف: "الحكمُ يَا أخْ سهيل خبرةٌ وممارسةٌ".

قصص تروى عن الحملات في جمع الديَّات يقشعرُّ لها البدن، ومواقف تُوصف بالجاهليَّة، ولعل درجة الوعي قد لامست بعض العقلاء، وأدركوا أنَّ المضي في هذا الطريق محفوفٌ بالذنوب والآثام، ويكرِّس التفاوت الاجتماعيَّ على حساب العدالة.

هذه القضايا ونحوها؛ تستحوذ على معظم وقت لجان إصلاح ذات البَين في معظم إمارات المناطق، واللهُ الهادي إلى سواءِ السَّبيلِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store