العالم المتقدِّم لم يصل إلى ما وصل إليه من التقدُّم الحضاريِّ في محتلف المجالات الحياتيَّة، إلَّا عن طريق الدِّراسات والبحوث العلميَّة الشَّاملة والدَّقيقة، التي تسبق اتِّخاذ القرارات التنمويَّة الهامَّة، حيث تستخدم نتائج تلك البحوث في صناعة تلك القرارات؛ كونها تحلُّ مكامن المشكلة، وتكشفُ حلول المستقبل، أمَّا القرارات المكتبيَّة العاجلة، فحتمًا أنَّها غالبًا ما تكون اجتهادات انفعاليَّة، أو عاطفيَّة، أو مصلحيَّة، وبالتَّالي نراها لا تحلُّ المشكلة في غالب الأمر، بل تزيدها تعقيدًا.
ولعلِّي هنا اقتصرُ حديثي اليوم على قضيَّة اجتماعيَّة أراها تتَّسع وتتنامى بدرجة لافتة يومًا بعد آخرَ وهي قضيَّة: (العزوف عن الزَّواج عند الشباب، وتنامي حالة الطلاق الشرعيِّ والوجدانيِّ)، هذه القضيَّة الاجتماعيَّة الهامَّة جدًّا والمؤثِّرة على تنامي الكثير من القضايا الاجتماعيَّة الأُخْرى التي قد تعلوها في درجة الخطورة، كنمو حالات العنف، والجريمة، والسرقة، والمخدرات داخل أروقة المجتمع، فكل جزءٍ من تلك القضيَّة لا بُدَّ وأنْ يكون له أسباب، وله أيضًا نتائج سلبيَّة، فمن أبرز المؤشِّرات والإحصاءات الرسميَّة التي تؤكِّد وجود تلك القضايا وتناميها، نذكر -على سبيل المثال لا الحصر-:
- ارتفاع نسبة العزوف عن الزَّواج عند الشباب، حيث تقول الإحصاءات إنَّ 41.2٪ من النِّساء في عام 2024 لم يتزوَّجن، وبلغ أغلبهنَّ درجة العنوسة، أي بزيادة 9٪ عن العام 2023، وبالطبع أصبح هذا الأمر ملموسًا داخل الأسر وحديث المجالس.
- وفي جانب آخر، ارتفعت نسبة الطلاق بدرجة لافتة، حيث بلغت عام 2022، 4.4٪، كما ورد عن هيئة الإحصاء، أنَّه يحدث حالة طلاق كل 9 دقائق، أي ما بين 160 و170 حالة طلاق في اليوم، وممَّا يؤكِّد تناميها، أنَّه في عام 2010 كانت 9 آلاف حالة طلاق، ثم ارتفعت في عام 2011 فأصبحت 34 حالة في اليوم حتى وصلت إلى 76 حالة في اليوم في عام 2023، كما ذكرت الهيئة أنَّه في 2022 بلغ عدد المطلَّقات 76500 حالة، وهكذا يستمر التنامي عامًا بعد آخرَ.
- وفي جانب آخر، نجدُ عمليَّات الخُلع تزيد عن حالات الطلاق، كما ذكرت إحدى المحاميات المهتمَّة بمثل هذه القضايا في لقاءٍ تلفزيونيٍّ.
- وقد استطعتُ، من خلال تتبُّعي لتلك الإحصاءات والدِّراسات أنْ أحدِّدَ أبرز الأسباب التي أدَّت إلى تلك النتائج اللافته لعل أبرزها:
- كان للظروف الحياتيَّة دورٌ في تغيير ترتيب الأولويات، فتحوَّل طلب الزَّواج الذي كان يحتلُّ أعلى المراتب، إلى مرتبة أقل ضرورةً.
- عدم توفر وظيفة لدى البعض، أو الانتساب لوظيفة راتبها لا يكفي بالمتطلَّبات الحياتيَّة، حيث يضطر الشاب أحيانًا للعمل براتب لا يفي بأدنى متطلَّباته الحياتيَّة، بالرغم من وجود المؤهَّلات العالية.
- ومن الأسباب أيضًا انتشار مشاهير الغفلة في برامج التواصل الاجتماعي، وما يمارسونه من هياط مظهريٍّ، يجعل الشباب -بنين وبنات- يتَّخذونهم قدوةً، ومثله ما يشاهدونه في أغلب المسلسلات من ذلك الهياط، فيحدث الطَّلاق الشرعيُّ، أو حتَّى الطَّلاق الوجدانيُّ، الذي يُقصد به انفصال الزَّوجين فكريًّا، واجتماعيًّا، وعاطفيًّا، فيحدِث ذلك أثرًا تراكميًّا عند الأبناء، بعدم تكرار تجربة الزَّواج.
- عدم مشاركة المرأة في مصاريف الزَّواج في مجتمعنا تحديدًا أثناء عملية التجهيز لبيت الزوجيَّة، وما بعد الزَّواج كما يحدث عند الكثير جدًّا من البلدان، حيث تتحمَّل المرأة جزءًا كبيرًا من تلك التكاليف.
- تنامي حالات الهياط والمباهاة بين أفراد المجتمع في حفلات الزَّواج، وما يترتب على ذلك من ارتفاع تكاليفه، التي تترك خلفها ديونًا متراكمةً تمتدُّ لسنواتٍ، وتكون سببًا في نشوء الكثير من الخلافات، ثمَّ الطَّلاق الشرعي، أو الوجداني.


