Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد المرواني

التوسع السكاني والتنظيم المروري.. إلى أين؟

A A
لم يعد الازدحام المروري مشهدًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل أصبح علامةً دائمةً على نبض المدن الحديثة، وصورة من حياتنا اليوميَّة المتسارعة التي تضيق فيها المسافات، وتتَّسع فيها الأوقات الضَّائعة بين الإشارات.

تتصدَّر الرياض مشهد الزحام، تليها جدَّة، ومكَّة المكرَّمة، والدَّمام، والمدينة المنوَّرة، وفي باقي المدن؛ حتَّى أصبحت الشوارع لوحةً من العجلات المتشابكة، كأنَّ المدن كلها في سباق لا ينتهي. هذا الواقع لا يعكس مشكلات الشوارع بقدر ما يكشف عن تحوُّلات سكانيَّة واقتصاديَّة كبيرة تمرُّ بها المملكة في مرحلة من أكثر مراحلها نموًّا.

تشير التقديرات إلى أنَّ عدد سكَّان المملكة سيبلغ بنهاية عام 2025 نحو 36 مليون نسمة، يشكِّل المواطنُون منهم حوالى 55%، فيما يشكِّل المقيمون النسبة المتبقِّية. هذه الكثافة السكانيَّة جعلت الطرق أكثر ازدحامًا.

ومع السماح للمرأة بالقيادة، تضاعف عدد السيَّارات داخل الأسرة الواحدة، وحتى الأسر المقيمة استفادت من هذا السماح، فزاد امتلاك المركبات داخلها بدافع الحاجة أو الرغبة؛ ممَّا أسهم في زيادة الكثافة على الطرق، وندرة المواقف داخل الأحياء.

الكثير من المقيمين يمتلكُون مركبات خاصَّة، رغم أنَّ طبيعة أعمالهم لا تستدعي ذلك، وبعضهم يزاول أنشطة موازية لمهنته الأصليَّة، فيعمل في التوصيل، أو النقل لحسابه الخاص، فيما تُسجَّل مهنته الرسميَّة كعامل، أو سائق، أو حارس.

ولست هنا لأفرض رأيًا، بل لأطرح فكرةً تستحق النقاش: هل يمكن ضبط ملكيَّة المركبات بطريقة أكثر تنظيمًا، بحيث تُمنح وفق طبيعة المهنة والحاجة الفعليَّة؟، فمثلًا، يُسمح بها للأطبَّاء والمعلِّمين والمهندسين، بينما تُسجَّل سيارات العاملِينَ في الشركات والمؤسَّسات بأسماء تلك الجهات لا بأسمائِهِم الشخصيَّة.

هذا التنظيم لا يعني التَّضييق، بل يهدف إلى التَّخفيف من الزحام، وتشجيع استخدام وسائل النقل العامَّة الحديثة، وفتح المجال أمام سائقي الأجرة السعوديِّين ليستعيدوا دورهم في خدمة التنقل.

حين نعيد التوازن بين حق الفرد، وحق المدينة، نستعيد روح النظام وجمال الحركة، وتغدو الشوارع أكثر هدوءًا واتِّساقًا مع أهداف رُؤية 2030 التي وضعت جودة الحياة في صميم التنمية. لست هنا ضد المقيمين، فهم شركاء في البناء والتنمية، ولكن لا بُدَّ من تنظيم يحقق التوازن، ويحافظ على جودة الحياة للجميع. فالطريق ليس مجرد إسفلتٍ ومركبات، بل ثقافةٌ ومسؤوليَّة، وحين ندرك ذلك، سنمنح مدننا فرصةً لتتنفس من جديد.

* خاتمة:

الزحام في حقيقته نتيجة لتصرُّفاتنا اليوميَّة، حين نقدِّم راحتنا الفرديَّة على النظام والمصلحة العامَّة. فحين ندرك أنَّ الحلَّ لا يبدأ من الشوارع، بل من الفكر، سنعرف أنَّ النظام والوعي هما أقصر طريق إلى مدن أكثر راحةً وتنظيمًا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store