كُلُّ ما اعتدْتَ عليه، وورِثته، وصدَّقته، وسلَّمتَ به من معلوماتٍ وثقافةٍ ومعرفةٍ، يجب -على الأقل لمرَّةٍ واحدةٍ- أن يُوضَعَ موضعَ الشَّك والتَّساؤل، وتتم مراجعته ونقده بهدوءٍ ورويَّةٍ، من خلال اطِّلاعٍ مُتنوِّعٍ. فمعظم ما نعرفُه مجرَّد آراءٍ وانطباعاتٍ، ومن المحتملِ جدًّا أنْ تكون خاطئةً، فما نعرفُه على وجهِ اليقين؛ نادر، ومن الحكمة وضع كلِّ الافتراضات التي تأسَّست عليها حياتنا موضعَ الشَّك والتَّساؤل.. أعلَم، أنَّه شيءٌ فظيعٌ!.
من أهم وسائل المعرفة والاقتراب من الحقائق، الشَّك في الموروث وأحداث التاريخ، والاهتمام بالبحث والاطِّلاع من مصادر مختلفة، وبمعنى آخرَ، التحرُّر من القيود الفكريَّة والثقافيَّة، وطلب الهداية من الله. يقول الدكتور (محمد شحرور): «وقد كان منهج إبراهيم استقرائيًّا استدلاليًّا، ينطلق في طريق البحث عن الله من الحواس إلى الفكر، ومن الشَّك إلى الإيمان، فاستحقَّ بذلك أنْ يكون إمامًا للنَّاس».
والمعرفة الحقَّة تأتي بتفعيل الجوارح كما أمر الله، وتقديم الشَّك المنهجيِّ على اليقين المنقول المتوارث، وبهذا تكون أكثر تمسُّكًا بإيمانك، وفهمًا لعقيدتك. إنَّ من أهم فوائد الفلسفة، كما يقول (برتراند راسل): «أنَّها تُقلِّل ثقتنا «الدوغمائيَّة» التي تُغلق الفكر، وتسدُّ عليه منافذ كل تأمُّل». الانحياز العاطفيُّ أمرٌ أصيلٌ في النَّفس البشريَّة، يُحرِّضك على إيجاد براهين تؤيِّد رأيك المسبق، وتؤكِّد ميولك الشخصيَّ، فيمنع عنك الشَّك المنهجي في معتقداتك، ويؤكِّد أخطاءك، بل ويسوق الدلائل المؤيِّدة لقناعاتك التي سبقت لاحتلال عقلك، لا بناء على المنطق، أو الحقائق المثبتة. يقول أحد مبادئ الفلسفة: «إنَّ كلَّ شيءٍ يمكن الشَّك فيه، وكل ما يمكن الشَّك فيه يمكن أنْ يكون غير صحيح».. ويقول الأكاديمي (ديفيد سوزوكي): «التَّعليم فشل فشلًا ذريعًا في إيصال أهم درس للعلم، أَلَا وهو الشَّك».
إنَّ الخوف يمنعك من مراجعة صحَّة اعتقاداتك وانطباعاتك وآرائك. لا بأس، أتفهَّم أنَّك تودُّ الشعور بالاطمئنان النفسيِّ، بعيدًا عن التجرُّؤ على المناقشة، ومحاولة الفهم، لكنَّ الشَّك جزءٌ من اليقين، وهو لا يُضعف الإيمان، بل يُقوِّيه. فعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عنهُ- أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قالَ: «نحنُ أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيمَ» إِذْ قالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).. «أخرجه البخاري ومسلم».


