في حفل فخم ساهر، أُقيم في الأندلس عام 1130م، دعا إليه العالم والفيلسوف العربي المسلم «أبو بكر بن يحيى بن باجة الأندلسي»، الذي اهتمَّ بالطب، والرياضيَّات، والفلك، والأدب، والموسيقى، وكان أحد وزراء وقضاة الدولة المرابطيَّة، وهي سلالة مسلمة من الأمازيغ، تركَّزت في أراضي المغرب الحاليِّ؛ يُعرف ابن باجة في الغرب باسم «آفيمبس».
دعا ليلتها «ابن باجة» حشدًا من كبار القوم في مرصده الفلكيِّ فوق الجبل بعد أنْ أخبرهم بمفاجأة كُبْرى أعدَّها لهم في تلك الليلة، ومن بعد تناول العشاء والأطايب تصدَّر العالِمُ الفيلسوفُ ابن باجة ينشدهم، وهو ينظر إلى القمر المضيء في السماء ويقول:
شقيقك غيب في لحدِهٍ
وتشرق يا بدر من بعدِهِ
فهلا خسفت فكان الخسوف
حدادًا لبست على فقدِهِ
وأخذ يكرِّر الفقرة، والجمع ينقل أنظاره ما بينه وبين القمر، إلى أنْ أصبح «ابن باجة» كمن أُصيب بالهذيان مكررًا بداية صدر بيته الثاني (فهلا خسفت.. فهلا خسفت)، وفجأةً وفي لحظة ذهول من الجميع في الحفل، يحدث الخسوف بالفعل، ويختفي وجه القمر ليسود الظلام، ويشهق الحاضرون، وفور إفاقتهم يلتفُّون حوله في شغف يتساءلون: كيف فعلتها يا ابن باجة؟!
فأخبرهم نابغة علم الفلك والأجرام السماويَّة ابن باجة، بأنَّه ليس بسحر، أو كهانة، إنما هو (العلم) والحسابات الفلكيَّة، وما حدث بسيط، فقد قمت بحساب موعد خسوف القمر بالسنة والشهر واليوم والساعة والدقيقة، والصَّعبة في هذا الزَّمان؛ بسبب قلة وجود الإمكانيَّات الفلكيَّة، أعدَّ ابن باجة لهم الحفل دون أنْ يخبرهم بالمفاجأة.
حدث هذا الإنجاز من العالِم المُسلم ابن باجة، في الوقت الذي كان الأوروبيون يظنُّون أنَّ هناك (غولًا) كبيرًا يلتهم القمر ويذهب به بعيدًا حين يحدث الخسوف، فيتراكضون في الشوارع، ويبدأون بالعويل، والبكاء لكي يعيد لهم (الغول) القمر مرة ثانية..!!
وقد أنصف المؤرِّخ الفرنسي الشهير «لوي بيير سديو» في تاريخه الكبير، الذي ألَّفه في عشرين سنةً، بحثًا عن تاريخ المسلمين، وعظيم حضارتهم، ونتاجهم العلميِّ والفكريِّ الهائل، فقال: «لقد استطاع المسلمُونَ أنْ ينشروا العلوم والمعارف والرقيَّ والتمدُّن في المشرق والمغرب، حين كان الأوروبيون -إذَّاك- في ظلمات جهل القرون الوسطى».


