جُدَّة مدينة من المدن التي تعيش التاريخ، ويعيشه سكَّانها. فحاراتها القديمة، وأزقتها أينما تمشي تقرأ في ثناياها تاريخًا حيًّا، وهي مدينة من أقدم المدن البشريَّة، فعلى أرضها نزلت حواء أم البشر -عليها السَّلامُ- وسكنتها قبائل ثمود، وقُضاعة، وارتبط تاريخها بحضارات هؤلاء، وحضارات وافدة، كونها مدينة ساحليَّة، وأحد أهم موانئ البحر الأحمر.
شهدت جُدَّة تحوُّلات تاريخيَّة نقلتها إلى الضوء، ومن تلك التحوُّلات حين أمر الخليفة الراشد عثمان بن عفَّان -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في العام 26هـ/ 646م باتِّخاذها ميناءً لمكَّة المكرَّمة، بديلًا لميناء الشعيبة الواقع اليوم في جنوبها. ثم شهدت تحوُّلات أُخْرى حين تعرَّضت في بدايات القرن 10هـ/ 16م لغزوات البرتغاليِّين بُغية النزول فيها؛ كونها بوابة الحرمين الشريفين، والذهاب إلى مكَّة المكرَّمة، وهدم الكعبة المُشرَّفة، ومنها السَّير إلى المدينة المنوَّرة، ونبش قبر الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأخذه؛ لمفاوضة المسلمين بالخروج من بيت المقدس، وتسليمه لهم، وقد استعصت جُدَّة عليهم، وصدَّتهم في حملاتهم الثلاث التي تعرَّضت لها.
وفي العهد السعودي الزَّاهر، كان -ولا زال- لجُدَّة تحوُّلات مفصليَّة غدت معها مدينةً عالميَّةً منذُ أنْ دخلها الملك عبدالعزيز -طيَّب اللهُ ثراهُ- في 7 /6/ 1344هـ - 23/ 12 /1925م؛ لتكون تلك اللحظة واحدةً من نهايات العمل الوحدويِّ الذي قام به الملك، وتم توحيد المملكة بكلِّ أرجائها. وكانت لجُدَّة أيضًا أوَّليَّات ممَّا حظيت به من اهتمام، ففيها تم إنشاء أوَّل مطار حديث، وأوَّل مقر للإذاعة، ومقر للممثِّليَّات الدبلوماسيَّة، والسفارات الأجنبيَّة قبل انتقالها للرياض، وشهدت أضخم مشروع مائي، حين أمر الملك عبدالعزيز بجلب المياه لها من وادي فاطمة، فيما عُرفَ بالعين العزيزيَّة التي روت عطش جُدَّة وسكَّانها، وكانت كما أشار إلى ذلك مؤرِّخ جُدَّة الأشهر عبدالقدوس الأنصاري، بقوله إنَّ تلك الخطوة: «هيَّأتها لتساوي المدن الحديثة، وانتشرت الحدائق بها، بعد أنْ كانت خاليةً من الزروع والشجر». وجُدَّة اليوم لازالت تعيش تاريخًا زاهيًا في ظلِّ اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-.
وبرغم الزَّخم التاريخيِّ الذي تحظى به جُدَّة إلَّا أنَّ هذا التاريخ لم يُدرس بجديَّة سوى عدد يُعدُّ على الأصابع، ومنها كتاب عبدالقدوس الأنصاري «موسوعة تاريخ جُدَّة» (جزءان)، ودراسة الدكتور عدنان اليافي في مجلدين «جُدَّة في أعين الرحَّالة»، ودراسة الدكتور محمد النويلاتي «جُدَّة وعبقريَّة المكان»، والمتبقيَّة للأسف إصدارات لا منهجيَّة لها بل خوض بعدم معرفة وتأهيل في تاريخ يستحق البحث والتدقيق والجديَّة.


