قبل شهور، صدر كتاب تحت عنوان: «الصين والسعي لهندسة المستقبل»، للكاتب الأمريكي من أصل صيني (دان وانغ)، حاول فيه المؤلِّف أنْ لا يكتفي بالمقارنة السطحيَّة بين الولايات المتحدة والصين، بل دخل بالعمق باحثًا عن الفوارق الفكريَّة والمؤسسيَّة التي تؤثر في صنع القرار، وتوصَّل إلى أهمها قائلًا: الصين أمَّة يقودها المهندسون، والولايات المتحدة يحكمها المحامون. وباستعراض لمن تولَّى دفَّة رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عبر عدة عقود -باستثناء الفترة الحالية- ليس هذا فحسب، بل حتى أعضاء الكونجرس والمحكمة العُليا، فإنَّهم جميعًا درسوا القانون، أو مارسوا المحاماة. ويُقال إنَّ الرئيس دونالد ترمب أتقن ألاعيب المحامين، واستغل الثغرات القانونيَّة وحوَّل بعضها إلى ساحة صراع لا نهاية لها.
وذكر بأنَّ الغالبية العظمى من صناع القرار في الصين تخرَّجوا في كليات الهندسة أو العلوم التطبيقيَّة، فهم يرون المشكلات كمعادلة رياضيَّة يمكن حلها من خلال المعادلات الدقيقة، أو تصميم منظومة، أو بناء مشروع ضخم. هذه العقلية تنتج الخطط طويلة المدى، وتنفذ دون تعطيل، وما نراه من تبنِّيها بناء المدن الجديدة وخطوط القطارات فائقة السرعة، والقفزات الهائلة في الصناعات الإلكترونيَّة، والطاقة المتجدِّدة، والذكاء الاصطناعي، هو ضرب لهذه العقلية، وبالتالي فلا غرو أنْ تكون الصين أكثر تفوقًا.
ويضرب مثلًا بمشروعات البنية التحتيَّة بالولايات المتحدة، التي تُناقَش سنواتٍ قبل أن تُنفَّذ، وتعترضها دعاوى قضائيَّة وتضارب المصالح؛ ممَّا يؤدِّي الى التأجيل وتضخُّم التكاليف، وبالتالي فقدان القدرة على الإنجاز السريع.
ويقول: يبقى السلاح هو الشيء الوحيد الذي كانت الولايات المتحدة تتفوق فيه، إلَّا أنَّ هذه الصناعة تراجعت خلال العقد الأخير، وأنَّ مخازن الذخيرة الأمريكيَّة بدت شبه فارغة خلال حرب أوكرانيا، والدعم العسكري لإسرائيل، وأنَّ تعويض الفاقد لا يتم بسرعة، فضلًا عن استيراد أمريكا لبعض المواد الأساسيَّة وقطع الغيار من دول جنوب شرق آسيا، ومن الصين ذاتها.
مؤلِّف الكتاب يختم كتابه للتأمل في التالي: القرن السادس عشر كان عثمانيًّا، والقرن التاسع عشر بسطت فيه بريطانيا وفرنسا نفوذهما، والقرن العشرون كان قرنًا أمريكيًّا، وهكذا تدور الحضارات وأيامٌ تُتداول بين الأمم. ويختم قائلًا: إنَّ المشهد يتشكَّل ليكون القرن الحادي والعشرون قرنًا صينيًّا بامتياز.


