Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

وجــــــــــــــــوه

A A
من الصعب أن نتخيل أن كل وجه يحتوي على أكثر من أربعين عضلة.. وبالرغم من أنها تمثل حوالى ثلاثة في المائة من إجمالي العضلات في أجسامنا، إلا أنها مذهلة في أدوارها، وفي تفاصيلها.. هناك مثلاً عضلة أساسية معنية بتعبيرات القرف، وهي «الرافعة للشفة العليا وجناح الأنف»، واسمها العلمي levator labii superioris alaeque nasi، وهي عضلة صغيرة، لدرجة أن طول العضلة نفسها أقل من كلمات اسمها.. وتحتوي وجوهنا على معجزات كثيرة، ومنها أن عدد العظام في وجوهنا يبلغ حوالى أربع عشرة عظمة، وتعادل حوالى سبعة في المائة من إجمالي العظام في جسمنا.. وهذه النعم المذهلة تشكل إحدى أهم سمات شخصياتنا، والتعبيرات التي نُعبِّر بها عن شعورنا خلال حياتنا.. ويُقدَّر عددها بالآلاف، ولكن التعبيرات الأساسية منها كالفرح والحزن والقرف والغضب، تبلغ حوالى عشرين إلى ثلاثين فقط.. وكلّ منها لها منظومة عضلاتها.. ويا ليت لو حاولنا أن نُحرِّك منظومة الابتسامة على وجوهنا كلما استطعنا.. نحتاج أن نُحرِّك حوالى 17 عضلة لإضافة البهجة للحياة بتحدياتها المختلفة، ولكن كلٌّ منَّا كان حُرًّا في وجهه.. وتلك الحرية تُسلَب من البشرية، والمتوقع أنها ستختفي تماماً في القريب العاجل.. أيام زمان كُنَّا نتمتع بحقوق التصرُّف في وجوهنا، باستثناء ما تتطلبه منَّا أشياء هامة، كجواز السفر للرجال، ورخصة القيادة، وبعض الاحتياجات الأمنية الفريدة.. واليوم، هناك آلاف الجهات التي حصلت على صورنا بدون أن ندري، وبدون أن نسمح، وخصوصاً في وسائط التواصل الاجتماعية، وبوابات الدخول والخروج، بل وحتى تشغيل هواتفنا التي نملكها أصبحت تتطلب قراءة وجوهنا.. وكأن قراءة البصمات غير كافية..

يعني قواعد البيانات التي تعتمد على قراءة الوجوه أصبحت تحتل مساحة مزعجة من حياتنا.. وجوهنا أصبحت سلعة تُباع وتُشتَرَى آلاف المرات يومياً؛ لأغراضٍ لا علاقة لها بالاستخدامات الرسمية، ولا بالأمن والسلامة.. وبالمناسبة، هناك شركات أتقنت «تنظيف» الشوائب، وإصلاح «النواقص» في قراءة الوجوه..

والمقصود هنا أن لبس النظارات الطبية، أو الغترة والعقال، أو القبعات، أو بعض أنواع الحجاب، لن يمنع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي من توليد صور الوجوه بوضوح؛ لتتداول لجهاتٍ مختلفة. وللعلم، فقد كان التعرف على الوجوه أهم البدايات الأساسية في مجال الأمن، وتحديداً في محاولات التعرف على وجوه المجرمين.. وذهب بعض العلماء لمحاولات التنبؤ بالإجرام من خلال قراءة معالم الوجوه الأساسية، علماً بأنهم وضعوا بعض العناصر المشتركة وهي متشعِّبَة.. فضلاً أنظر في وجه «النتن ياهو» كمثال على تفاصيل الوجوه الإجرامية.. وبدخول الحواسيب الإلكترونية وتطورها، تحسَّنت تقنيات التعرف على الوجوه، ثم تطوَّر ذلك بدخول الذكاء الاصطناعي.

* أمنيــــــــــــة:

كانت لـ»الخصوصية» أهمية، ومجموعات من المعاني الكبيرة والهيبة والثُّقل في الثقافة العالمية، وبالذات فيما يتعلق بصور وجوه البشر؛ التي كان الحصول عليها لأسبابٍ رسمية وجيهة فقط. أما اليوم فقد أصبحت الخصوصية عملة نادرة، حتى في الدول التي تحمي الحقوق الشخصية في دساتيرها المختلفة. أتمنى أن يُوفِّق الله - عز وجل- البشرية في إيجاد الحلول لوقف انتشار هذه الخسائر الكبيرة في تداول حقوق الخصوصية.. وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store