ربُّنَا -سبحانَهُ وتعَالَى- عندما خلقَ الجنَّ والإِنسَ خلقهم لأمرين هامَّين بيَّنهُما في كتابه القرآن الكريم، وقبله في الكُتب السماويَّة السَّابقة (التوراة، والإنجيل، والزبور) كما في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ومن أجل هذا، أرسل لكلَّ أُمَّة رسولًا يعلِّمهم دينهم الذي يعبدون الله به، ومعاملاتهم التي يعمرُون بها هذه الأرض، فالتشريعُ الربانيُّ لهذا الدِّين الذي تضمَّنته الكُتب السماويَّة هو خاص بالله -سبحانَه وتعَالَى- ولا دخلَ للجنِّ والإنسِ بهما، وما عليهم إلَّا التطبيق، وما يقوم به الرُّسلُ -عليهم السَّلامُ- ما هو إلَّا تبليغٌ للعباد به؛ لأنَّ الله تعالى خلقَ الجنَّ والإنسَ لهذا الأمر؛ لذا لا بُدَّ وأنْ يضع لهم سُبل وقواعدَ وأدواتٍ وممارساتٍ لهذه العبادات، وقواعدَ تلك المعاملات المتمثِّلة في القِيم الفاضلةِ والسلوكات الحسنة، وبما أنَّ هؤلاء العباد من طبيعتهم التطوُّر والتَّكاثر والتنوُّع في بيئاتهم ولغاتهم، وطبيعة حياتهم، فقد أرسل لكلِّ أُمَّةٍ منهم رسولًا منهم، يعلِّمهم تلك العبادات، ويصلح ما فسدَ منها ضمن دين، اختاره اللهُ تعالى لكل الأمم، وهو دين الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ)، فلا يُوجد دِينٌ غيرُ الإسلامِ، وبما أنَّ الرسولَ محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- خاتمُ تلك الرسالات، فإنَّ ذلك يعني اكتمال مضامين هذا الدِّين، وتمامه كما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
لكنَّ الذي حدثَ أنَّه بعد وفاةِ الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بدأ الخلافُ بين بعض الصحابةِ في سقيفةِ بني ساعدة على مَن يخلفُ الرسولَ في حُكم المدينة، ثم اتَّسعت تلك السلطة، بعد ذلك إلى حُكم البلاد المفتوحة، والحقيقة أنَّ الرسولَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لم يكن حاكمًا حتَّى يكون له مَن يخلفُه، فالرسول ليس له خليفة لتلك الرسالة؛ لأنَّ الدِّين للجميعِ، والخلافةَ للجميعِ في جانب الدِّين، أمَّا الحُكم السياسيُّ فهذا أمر آخر، والتطبيق للجميع سواسية؛ لأنَّ المحاسبة يوم الحساب ستكون سواسيةً للجميع، كل فرد له كتاب يُحاسب عليه، ولا تحاسب الجماعات، والمُحاسِبُ هو اللهُ -سبحانه وتعالى- ورسولُ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان مبلِّغًا لرسالة ربِّه، ومبشِّرًا، وسراجًا منيرًا، ثم نشأ بعد ذلك صراعات، ذهب ضحيَّتها عشرات الآلاف من المسلمِينَ، كان أبرزها المعارك التي نشأت بينهم، وقُتل فيها الآلاف مثل: الجمل، وصفين، والنهروان، وجميعهم مؤمنون، وهكذا استمرَّت الصِّراعات السياسيَّة بعيدًا عن المحتوى العقديِّ الذي تضمَّنه كتاب الله تعالى، واستمر ذلك الحال في العصر الأمويِّ، والنِّصف الأوَّل من العصر العباسيِّ، حتى بدأ الضَّعف والوَهَن يتخلَّل العصر العباسيَّ بعد السيطرة شبه التامَّة للفرس، ومَن في معيَّتهم من اليهود على مفاصل الدولةِ العباسيَّة، وهم -أي الفرس واليهود- الذين يحملُون الكثير من الحقدِ والضغينةِ والكراهيةِ الدفينةِ على المسلمِينَ الذين طردُوا اليهودَ من أرضِ الجزيرةِ، ودمَّرُوا حضارة الفرس، وفعلوا بهم الأفاعيل، عند فتحهم لبلادهم، فأرادُوا أنْ يدخلوا في عمق وقوَّة الدولة الإسلاميَّة، من خلال الدِّين الذي تضمَّنه كتاب الله تعالى، فبدأوا ينفثُون سمومَهم من خلال وضع الأحاديث المكذوبة على رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-. ومن هنا جاء البعض ليعزِّزوا تلك المكذوبات عن غير قصد، فكانت سببًا في انحراف بعض العامَّة من النَّاس، وقصص لا تُحصى ولا تُعد ضمن تلك الكتب التي أطلقوا عليها كُتب التَّرغيب والتَّرهيب، والتي لم ترد في كتاب الله تعالى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمحزن والمؤلم أنَّ هناك قديمًا وحديثًا مَن يقوم بترسيخ وتعزيز تلك الرِّوايات الخرافيَّة في استدلالاته، وعلى المنابر الدعوية حتى أصبحت تحتل مساحة كبرى في العقل الباطن عند بعض الناس، وكأنَّها حقائق وخاصَّة عندما استخدمت كحكايات للتسلية وقضاء الوقت.
ولعل هذا لم يحدث، لولا ذلك الترسيخ والتعزيز لتلك الخرافات والمكذوبات، ولولا تأجير عقول الكثير من المسلمِين لفئة محدودة، وهجروا كتاب الله تعالى الكامل التَّام المفصَّل.


