قامت المطربةُ اللبنانيَّةُ «عصفورةُ الشرق» كما كانت تُلقَّب السيِّدة فيروز بزيارة لمدينة القُدس في عام 1964م، وذلك لحضور القدَّاس الذي أحياه بابا روما -وقتها- البابا بولس السادس، في كنيسة القيامة بمدينة القُدس، واستلهمت من تلك الزيارة أغنيتها الشَّهيرة «القُدس العتيقة»، والتي كتبَ ولحَّن الأخوان رحباني كلماتها، تقول فيها: مرِّيتْ بالشَّوارع.. شَوارع القُدسِ العتيقةِ
قدَّام الدكاكِينَ.. إللي بقيتْ مِن فلسطِين
حْكينَا سَوَى الخبريَّةِ.. وعَطونِي مزهريَّة
قالُولِي هيدِي هديَّة.. مِن النَّاس النَّاطرِين
ولهذه الأغنية قصَّة، فبينما كانت فيروز تسير في شوارع القُدس العتيقة، قابلتها امرأةٌ مقدسيَّةٌ حكت لها عن معاناتها، والعائلات المقدسيَّة من ظلم الاحتلال الإسرائيليِّ، تأثَّرت السيِّدة فيروز من حديث المرأة المقدسيَّة وأخذت تبكِي بحرقة، فسارعت المرأة المقدسيَّة بإهداء فيروز مزهريَّة من الورد لتخفِّف عنها. وقبلها شدت فيروز لفلسطين الحبيبة عدة أغانٍ مع الأخوين رحباني، تعود إلى عام 1955م، وقتها شق صوتها إلى المجد عندما حضرت برفقة فرقتها الموسيقيَّة إلى القاهرة لتسجيل مجموعة من أعمالها الغنائيَّة عن فلسطين السليبة.
ومع الأحداث الدَّامية والتهجير التي حدثت في مدينة غزَّة في عام 1955م، سجَّلت فيروز أغنية «غرباء» في مدينة القاهرة، وكانت من كلمات الشاعر الفلسطينيِّ من مواليد مدينة غزَّة، وواحد ممَّن أطلق عليهم شعراء النَّكبة الشاعر «هارون هاشم رشيد»، وألحان الأخوين رحباني.
وفي عام 1956م، قدَّم الأخوان رحباني كلمات وألحان أغنية لفلسطين بصوت فيروز، بعنوان «سنرجع يومًا»، والتي تم تسجيلها في إذاعة صوت العرب في مصر، وتقول فيها:
سنرجعُ يومًا إلَى حيِّنَا.. ونَغرقُ فِي دافئاتِ المُنَى
سنرجعُ مهمَا يمرُّ الزَّمانُ.. وتَنَأى المَسافاتُ مَا بيننَا
وبعد هزيمة حرب عام 1967م، والتي انتهت بسيطرة الجيش الإسرائيلي على الجزء الشرقيِّ من مدينة القُدس، في الأثناء قامت فيروز بتسجيل أشهر أغنياتها المقدسيَّة «زهرة المدائن»، وهو الاسم القديم لمدينة القُدس، وافتتحت بها مهرجان الأرز في لبنان في ذلك العام، حقَّقت هذه الأغنية نجاحًا كبيرًا على شاشات السينما من إخراج المصريِّ من أصول لبنانيَّة «هنري بركات»، فانتقلت هذه الأغنية بصوتها، وبكلمات والحان الأخوين رحباني إلى الشعوب العربيَّة، ومازالت تُردَّد هذه الأغنية إلى يومنا هذا وتقول كلماتُها:
لأجلِكِ يَا مدينةَ الصَّلاةِ أُصلِّي.. لأَجلِكِ يَا بهيَّةَ المَساكنِ، يَا زَهرةَ المدائنِ.. يا قُدسُ، يا مدينةَ الصَّلاةِ أُصلِّي.
دفعت هذه الأغنية الأيقونة نائبي القُدس «إميل غوري»، و»محيى الدِّين الحسيني» لحمل مفتاح مدينة القُدس إلى مدينة بيروت، وتسليمه إلى السيِّدة فيروز، مع صينيَّة مصنوعة من الصَّدف تمثِّل المسجدَ الأقصَى الشَّريف، في احتفالٍ تاريخيٍّ أُقيم في بيروت.
وتوالت بعدها أغنيات فيروز عن فلسطين، التي حملت مفتاح مدينة القُدس الشَّريف، منها: «بيسان»، و»يافا»، و»أحترف الحزن والانتظار»، و»جسر العودة».
وأختمُ مقتبسًا بعضًا ممَّا قاله الباحثُ الأكاديميُّ والكاتبُ اللبنانيُّ «محمود الزيباوي» المتخصِّص في تاريخ الفن، قال: إنَّ «أحدًا لم يُغنِّ لفلسطينَ كمَا غنَّت فيروز، وأنَّ أحدًا لمْ يحولها إلى أغنيةٍ تُردَّد كمَا فعلَ الأخوان رحباني».


