Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

زيارة الشرع إلى واشنطن.. من العزلة إلى الشراكة

A A
في خطوةٍ وُصفت بالتَّاريخيَّة، وصل الرئيسُ السوريُّ أحمد الشرع إلى العاصمة الأمريكيَّة واشنطن، في الثامن من نوفمبر 2025، ليبدأ زيارةً رسميَّةً تُعدُّ الأُولى لرئيسٍ سوريٍّ إلى البيت الأبيض، منذ استقلال بلاده قبل نحو ثمانية عقود.

الزيارة، التي تأتي بعد عام واحد من سقوط نظام بشار الأسد، تمثِّل تحوُّلًا جذريًّا في مسار سوريا الدبلوماسيِّ، من العزلة والعقوبات، إلى محاولة الاندماج في النظام الدوليِّ كشريكٍ لا كخصمٍ.

منذ تسلُّمه السُّلطة نهاية 2024، اتَّخذ الشرع مسارًا مختلفًا يقومُ على المصالحة والانفتاح، أعاد عبره سوريا إلى مقاعد القممِ العربيَّة، وفتح خطوطَ اتِّصالٍ مع دول الخليج، وتركيا، ومصر. إزالة اسمه من قوائم العقوبات الأمريكيَّة، وقرار مجلس الأمن الأخير بتخفيف القيود الاقتصاديَّة، مهَّدا الطريق لهذه الزيارة التي تُعدُّ تتويجًا لمسار تطبيع تدريجيٍّ مدروسٍ.

تحمل لقاءات الشرع في واشنطن ملفَّات معقَّدة على رأسها رفع العقوبات، ولا سيَّما «قانون قيصر» الذي كبَّل الاقتصاد السوريَّ لسنوات. ورغم الحذر الأمريكي، تشير التسريبات إلى استعداد إدارة ترامب، لإطلاق خطة رفع تدريجيٍّ للعقوبات مقابل إصلاحات اقتصاديَّة وضمانات سياسيَّة واضحة. في المقابل، تطالب دمشق بفتح الطريق أمام الاستثمارات الدوليَّة وتمويل مشروعات إعادة الإعمار، بالتَّنسيق مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدوليِّ.

الملف الأمني حاضر بقوَّة، إذ تبحث واشنطن في ضم سوريا رسميًّا إلى التحالف الدوليِّ ضد «داعش»، مع ترتيبات لتبادل المعلومات والتنسيق الميدانيِّ في الشرق السوريِّ. كما تجري مناقشة اتفاق أمنيٍّ، يهدف إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب السوريِّ، بدون تدخلات إسرائيليَّة وبرعاية أمريكيَّة مباشرة.

الزيارة تعكس إدراكًا أمريكيًّا متزايدًا بأنَّ إعادة تأهيل سوريا هي السبيل الأنجع لتقليص النفوذ الإيرانيِّ. وتبدو واشنطن ومعها العواصم الخليجيَّة مقتنعين بأنَّ إدماج دمشق في المنظومة الإقليميَّة أكثر جدوى من استمرار عزلها. في المقابل، تبدي موسكو تفهُّمًا حَذِرًا للتحوُّل، بينما تنظر طهران إليه بريبةٍ واضحةٍ، خشيةَ خسارة أهم موطئ قدم لها في المشرق.

زيارة الشرع ليست بروتوكوليَّة، بل إعلان ضمني عن ولادة «سوريا الجديدة»؛ التي تسعى إلى إعادة تعريف دورها الإقليميِّ والدوليِّ. فهي تراهن على البراغماتيَّة، والانفتاح بدل الشعارات القديمة، وتبحث عن توازن يضمن السيادة، ويستقطب الدعم الخارجي. واشنطن من جانبها ترى في الزيارة نجاحًا لنهج «إعادة التأهيل بدل الإسقاط»، بعد تجارب مكلفة في العراق وأفغانستان.

وبغض النظر عن مدى نجاح المفاوضات، فقد فتحت الزيارة بابًا واسعًا أمام مرحلة مختلفة في تاريخ سوريا الحديث. فالدولة التي كانت تعاقب وتحاصر، باتت اليوم تدعى إلى البيت الأبيض وتجلس على طاولة التفاهمات الكبرى. يبقى التحدي في قدرة دمشق على إدارة هذا التحول الدقيق، بين ضرورات الإصلاح ومتطلبات السيادة، وبين طموحات الداخل وضغوط الخارج.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store