العربُ أُمَّة متقادمةٌ في عمق التاريخ البشريِّ، أصولها تعودُ إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وموطنها الأصلي الجزيرة العربيَّة، وتناوب العيشَ في هذه المنطقة الكثيرُ من الحضارات التي ساد البعضُ منها، وباد البعضُ الآخرُ، ولكنَّها بعد ذلك مرَّت بعدَّة قرون قاحلة، عاشت خلالها في ظلام الأُميَّة والجهل والصِّراعات القبليَّة، وبما أنَّ التاريخ يُعدُّ الوثيقة المستدامة التي تحفظ قصص تلك الحضارات، وقصص شعوبها، فإنَّها افتقدت لذلك، وهذا الأمر تحديدًا جعل البعض من تلك الحضارات يموت في باطن الأرض، دون اكتشاف، وهذا الأمر يستوجب من المراكز البحثيَّة، والجامعات، والجهات ذات العلاقة أنْ تعيد البحث والتقصِّي عن تلك الحضارات، وتنبشها، وتحلِّلها، وتنشرها للعالم؛ ليعلم الغيرُ أنَّ هذه الجزيرة تُعدُّ منطلق الحياة البشريَّة، ومنطلق حضاراتها، ومنطلق رسالاتها السماويَّة، فهذا الأمر أصبح مستوجبًا.
ولعل المؤلم أن بعض الأمم المجاورة كدولتي الفرس والروم، ومعهم اليهود، وقبلهم الرومان والإغريق الداعمون لذلك قد جيروا بعض تلك الحضارات لهم، بعد أن استثمروا تلك الفترة الزمنيَّة الظلاميَّة بالجهل والصراعات المستدامة، حتى أنَّ تلك المؤلَّفات غير الدقيقة أصبحت تُعدُّ الدِّلالات الوحيدة لكلِّ باحث، وبالتالي حوَّل مُسمَّى تلك الحضارات إلى مناطق أُخْرى خارج الجزيرة العربيَّة، وهذا لا يعني أنَّ تلك الأمم ليس لديها حضارات، بل العكس، ولكن تمَّ دمج -بالتَّدوين- حضارات الجزيرة العربيَّة ضمن حضاراتها، وحتى الأنبياء والرُّسل مثل سيِّدنا إبراهيم، وابنيه إسحق وإسماعيل -عليهم السَّلامُ- وابن أخيه لوط -عليهِ السَّلامُ-، وموسى -عليهِ السَّلامُ- الذي بُعث في جنوب الجزيرة العربيَّة، ومصر ليس فيها ما يُسمَّى بفرعون، كما أثبت ذلك بعض علماء الآثار في مصر، فالمدعو فرعون الذي ورد اسمه في القرآن، هو كلُّ عمدة يتولَّى حماية طريق التجارة من اليمن إلى الشام، وسليمان -عليه السَّلامُ-، وشعيب -عليهِ السَّلامُ- كل هؤلاء الأنبياء بُعثوا في الجزيرة العربيَّة جنوبها، وشمالها، ونشرُوا دعوتهم، فسليمان -عليهِ السَّلامُ- كان قريبًا من مملكة سبأ في اليمن، وقصَّة الهدهد تؤكِّد ذلك.
كما قام البعض من هؤلاء الأنبياء، بالخروج إلى بلاد الشام، والعراق؛ لنشر دعوتهم، فالنبيُّ إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- عاش في منطقة السراة وتهامة، التي تمتد من شمال مكَّة المكرَّمة حتَّى اليمن، والتوراة تؤكِّد وتكرِّر ذكر ذلك في سفر التكوين، في عدد من الإصحاحات، ولعل المنطقة الممتدة من الساحل الغربي، حتى شرق المنطقة الموجود بها بلاد غامد حاليًّا ذُكرت بالاسم في التوراة، حينما أوحى الله تعالى إلى نبيِّه إبراهيم
-عليهِ السَّلامُ- وهو يقف شمال مكَّة حاليًّا وتحديدًا في جعرانة، حينما قال له الرَّبُّ -سبحانَهُ- إنا باركنا لك، هذه الأرض لتسكن وترعى أنعامك، وكان مسجد سيدنا إبراهيم يقع في قمَّة جبل شدا بمنطقة الباحة حاليًّا، ولازال حتى اليوم، وكان مرعى أغنامه بامتداد الشرق عبر وادي ثراد، الذي كان نهرًا عظيمًا في عهد سيدنا آدم -عليهِ السَّلامُ- حتى وادي تبالة قرب بيشة، ولعل قصَّة وحي الله -سبحانه- لنبيِّه إبراهيم، بأنْ يسكن الوادي غير ذي زرع، كما تنصُّ الآيةُ الكريمةُ في قولهِ تعَالَى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، وكذلك النبي لوط -عليه السَّلامُ- الذي امتدَّ ملكه حتَّى شمال وشرق وغرب الطَّائف حاليًّا. وللحديث بقية بالأدلة من عدد من المصادر.


