Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

مدارس تواجه الفيروس.. وأسر تبحث عن الحماية!

A A
في موسم الفيروسات، تتحوَّل كل صباحات البيوت إلى مسرح لمعركة صامتة، طفل يستيقظ مثقلًا بحرارته، آخر يتألَّم من سعال لا يهدأ، وثالث يجرُّ خطواته نحو المدرسة، رغم كل ما في جسده من تعب، الفيروسات لا تنتظر دعوة، تأتي متلاحقةً، تصيب كلَّ بيت بدورها، وتعيد الكرَّة بلا هوادة.

المدرسة، المكان الذي نعلِّق عليه آمال المستقبل، تصبح أحيانًا فضاءً قاسيًا على جسد صغير منهك، الصلاحيَّات وُضعت بغاية مرنة، والمرونة موجودة لمَن يريد تطبيقها، لكن ما يحدث أحيانًا على أرض الواقع، يروي قصَّةً أُخْرى: صرامة غير مبرَّرة، لوائح ترى الورق فقط، ولا ترى تعب القلب، ولا رجفة الجسد. الأُسر بالكاد تملك وسيلة نقل، أو وقتًا لتوفير مستلزمات الطفل المريض، كثير منهم لا يمكنهم الانتظار في صفوف العيادات؛ للحصول على إثبات غياب، أو الوصول إلى المستوصفات المزدحمة، كيف نطالبهم بالكمال، بينما الواقع يفرض عليهم حدودًا؟

الطفل المريض ليس مقصِّرًا، ومكابرة الحضور ليست بطولةً، بل هي عبءٌ يضاعفُ الألمَ ويطيلُ زمنَ الشِّفاءِ، البقاءُ في البيت أحيانًا جزءٌ من المسؤوليَّة تجاه الآخرِينَ، لا هروبًا من الالتزام. حين تُفعَّل الصلاحيَّات بحكمة، وتمنح الثقة للأُسر، يشعرُ الطفل بالأمان، المدرسة التي تعي أنَّ الغياب أحيانًا حمايةٌ، والمعلِّم الذي يرى خلف الكرسي الفارغ طفلًا يكافحُ نزلةً صدريَّةً، هما من يُعلِّمان الطفل درسًا أعمق من أيِّ منهج: درس الرَّحمة، ودرس التَّقدير، ودرس حماية مَن حوَله.

ما نحتاجه ليس تغييرًا في اللوائح، بل تفعيل قلب تلك اللوائح، التحسُّس لمعاناة الأُسر، تخفيف العبء عن الصِّغار، إدراك أنَّ التعليم لا يقتصر على الدروس وحدها، بل على الإنسان نفسه، هو ما يجعل المدرسة مكانًا ينمِّي الأجيال حقًّا.

حين يُدرك الطفل أنَّ صحَّته أولويَّة، وعندما يشعر أنَّ بيته ومدرسته يتعاملان معه بمسؤوليَّة وإنسانيَّة، فإنَّنا نزرعُ فيه قيمة الوطن والمسؤوليَّة، قبل أيِّ درجات أو شهادات.

فالغياب الذي يحمي الطفل من الألم المضاعف هو حضورٌ آخرُ... حضورٌ في مسار العافية، وحضورٌ في بناء وعيه المسؤول. والحضور الذي يأتي قبل الشفاء، هو غياب عن المستقبل الذي نريد أنْ يزدهر بسلام.

أطفالنا ليسوا أرقامًا في كشوف الحضور، هم مستقبل يتنفَّس، لحظة واحدة نعتني فيها بصحتهم أكثر من دفاترهم، هي لحظة نكسب فيها كلَّ شيءٍ.

* نقطة تحت السطر:

الصحَّةُ أوَّلًا... والغيابُ أحيانًا حمايةٌ، والحضورُ مسؤوليَّةٌ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store