Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

«فوبيا» العلاقات

A A
معظم العلاقات بين النَّاس تمتاز بقدرٍ كبيرٍ من الزَّيف والشخصيَّات المتغيِّرة، وليست في حقيقتها إلَّا تسويات عمليَّة بغرض المنفعة. وفي الواقع، هم لم يختارُوا بحريَّتهم زمالاتِهم أو اختلاطهم بالنَّاس، لذلك يظهرُونَ عادةً بأقنعةٍ اجتماعيَّةٍ متعدِّدةٍ لمحاولة التكيُّف الاجتماعيِّ.

إنَّ العلاقات الإنسانيَّة -على ضرورتها- تحملُ في طيَّاتها أشكالًا من الغبن والضرر، والأذى والسُّميَّة النفسيَّة والعاطفيَّة. لذلك، ليس من المستغرَب أنْ يكبرَ الخوف من خوض تجربة جديدة، وفقدان الذَّات والحريَّة، أو من تكرار الألم القديم، فيتكرَّس رُهاب العلاقات الشخصيَّة. لقد أصبحنا كالقنافذ يقتلُها البردُ، ويُؤذيهَا الاقترابُ من بعضِها.

والمُرعب، أنَّك لا تدري متى تظهر أعراض الاضطراب النفسيِّ المزعج، أو الشخصيَّة المؤذية لدى مَن تتعامل معهم.. إنَّه أمرٌ فظيعٌ. فالذين يُعانُونَ من رُهاب العلاقات، يُدركُونَ حاجتهم إلى الحبِّ، لكنَّهم يخشونَ دوائر الخذلان، فيبتعدُونَ وقايةً لأنفسهم، خشيةَ تجربةٍ غير مأمونةِ العواقبِ.

من أسوأ ما يجب أنْ نعترف به عن العلاقات الحميمة، أنَّ الشريك المُقرَّب هو الأقدر على إيذائنا بسهولة؛ ودون سابق إنذار؛ لأنَّنا نكون حسَّاسِينَ تجاهه، ومنكشفِينَ تمامًا، وغير محصَّنِينَ أمامه، خلافًا لما نكونُ مع غيرِه.. إنَّها مهزلةٌ، أليس كذلك؟!.

تنشأ العلاقات المريحة المنسجمة؛ نتيجة التوافقِ الفكريِّ، والتجانسِ الروحيِّ، والشعورِ المتبادلِ بالغربةِ التي يُهوِّنهَا أحدُهم على الآخرِ. والعلاقة الناجحة هي تلك التي يتمتَّع أطرافُها بأكبر قدر من مساحة الحريَّة الشخصيَّة، وحُسن الظنِّ المتبادل، وهي تُقاس بمستوى الشُّعور بالطمأنينة النفسيَّة. أمَّا سرُّ العلاقة الناضجة، فيكمن في تقديم الدعم والرِّعاية والاهتمام والحب لشريك الحياة، في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة. إنَّها عمليَّة صعبة ومُرهقة. وبرغم أنَّنا نشعر بالإحراج، لكنَّنا نرغبُ في إيماءات طمأنة متكرِّرة على حبِّ الشريك، وأنْ نتحقَّق من استمرار الحبِّ والسِّحرِ والقبولِ. قد يكون ذلك مرهقًا، لكنَّه ضروريٌّ للتخلُّص من قلق العلاقات والأفكار الخاطئة.

وختامًا، يرى (أرسطو) أنَّ العلاقات التي تقوم على فرحة الوجود سويًّا؛ هي الأكمل، إذ يصبح الآخر غاية في حدِّ ذاتهِ، لا وسيلة نفعيَّة. فالحبُّ الحقيقيُّ هو حبٌّ للآخر لما هو عليه، لشخصيَّته التي تمسُّنَا، ولتمنِّي الخير له دون انتظار لذةٍ، أو منفعةٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store