في أواخر القرن الثاني الهجريِّ، وُلِدَ أبو عبدالله محمد بن القاسم أبو العيناء، في مدينة البصرة، وشبَّ على ما كان عليه النَّاس في هذه المراكز الحضاريَّة، التي كانت موطنًا للعلم واللُّغة والفقه والأدب، فتعلَّم على أيدِي علمائها، غير أنَّه اشتهرَ بين الناس بسرعة البديهة، والظُّرف والذَّكاء، وما إنْ بلغ الأربعين من عمره حتى أُصيب بالعَمَى.
كان أبو العيناء طموحًا، يحب مجالسة الولاة، وغشيان مجالس الخلفاء، وذكر أبو إسحاق القيرواني في كتابه «زهرة الآداب وثمر الألباب»، أنه كان يُوصِي ابنه قائلًا:» يا بُنيَّ، إذا أردتَ أنْ تكون منادمًا للخلفاء، وذوي المروءة، فعليك بنُتف الأشعار، ومُلَح الأخبار»، وهو ما نراه متحقِّقًا في حياة أبي العيناء، حتى قال فيه المؤرِّخُون إنَّه كان: «أَحدَّ النَّاسِ خاطرًا، وأحضرَهُم نادرةً، وأسرعَهُم جوابًا، وأبلغَهُم خطابًا».
كان لا يتحرج في الذهاب إلى الأمراء والولاة في قصورهم، وكانوا يرحِّبون به لمداعبته وسرعة بديهته، فقد قصد يومًا دار الواثقي، وهو الأمير بالبصرة، فأجلس في مدخل القصر وقتًا طويلًا إلى أنْ استؤذن له، فقال رجل، يا أبَا العيناء أنت صائم اليوم؟ فقال: أمَّا في هذه الدار فنعم، حينها تحرَّج الأميرُ فأذن له في الدخول.
وكان أبو العيناء لا يهاب أحدًا، ربما لإدراكه أنَّه ضريرٌ لن يُجرؤ أحدٌ من إلحاق الأذى به، فقد دخل على إسماعيل القاضي، وأخذ يردُّ عليه إذا غلط في اسم رجل وكنية آخر، فقال له بعض من حضر: أتردُّ على القاضي -أعزَّه الله-؟ فقال: نعم! لم لا أرد، وقد ردَّ الهدهد على سليمان، وقال: أُحِطتُ بمَا لَمْ تُحَطْ بِهِ؟ وأنا أعلم من الهدهد، وسليمان أعلم من القاضي.
وحكي عن أبي العيناء أنَّه قال: حصلتْ لي ضيقةٌ شديدةٌ فكتمتها عن أصدقائي، فدخلتُ يومًا على يحيى بن أكثم القاضي فقال: إنَّ أميرَ المؤمنين المأمون جلس للمظالِم وأخذ القصص، فهل لكَ في الحضورِ؟ قلتُ: نعم، فمضيتُ معه إلى دار أمير المؤمنين، فلمَّا دخلنا عليه أجلسه وأجلسني ثمَّ قال: يا أبا العيناء ما الذي جاء بكَ في هذه الساعةِ؟ فأنشدتُه:
لقدْ رجوتُكَ دُونَ النَّاسِ كُلِّهمُ
وَلِلرَّجَاءِ حُقوقٌ كلُّهَا تُجَبُإنْ لمْ يكنْ لِي أسبابٌ أعيشُ بهَا
فَفِي العُلَا لَكَ أَخْلاقٌ هِيَ السَّببُ
فقال: يا سلامة، أنظر أيَّ شيءٍ في بيت مالنا دون مال المسلمِين. فقال: بقيَّة من مال. قال:
فادفع له مئة ألفِ درهمٍ، وابعث له بمثلهَا في كلِّ شهرٍ، فلمَّا كان بعد أحدَ عشرَ شهرًا ماتَ المأمونُ، فبكَى عليه أبو العيناء، حتى تقرَّحت أجفانُه، فدخل عليه بعض أولاده فقال: يا أبتَاه، بعد ذهاب العَين ماذا ينفعُ البكاءُ؟ فأنشأ أبو العيناء يقولُ:شيئَانِ لَوْ بَكتِ الدِّماءَ عليهِمَا
عَينَايَ حَتَّى يُؤذَنَا بِذَهابِ
لمْ يبلغَا المعْشارَ مِن حقَّيهِمَا
فَقْدُ الشَّبابِ وَفُرقةُ الأحبَابِوكما كان في حياته ذا جدل وغرابة، فقد حكى الأديب أبو سعد الآبي في كتابه «نثر الدر» أنَّ أبا العيناء خرج إلى البصرة في سفينةٍ، وله نيف وتسعُون سنةً وهُو ضريرٌ، فغرقتْ فلم يسلمْ غيرُه، فلمَّا صار إلى البصرة، تُوفِّي بهَا سنة 282هـ، وهكذا انتهت حياة أبي العيناء، الضَّرير والأديب السَّاخر.


