Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

قســــــــــــــمة

A A
عمليَّة القسمة تحتوي على تحدِّيات في مجالات كثيرة، بدءًا من العمليَّات الحسابيَّة التي كانت تُرهقنا قبل قدوم نعمة الآلات الحاسبة، إلى مفهوم القسمة العادلة بين الأبناء، والموظَّفين، والبشر بشكلٍ عامٍّ. وفي عالم العمران نجد أنَّ بعض التقسيمات غيَّرت جوهر الحضارة حول العالم.. ومن أهم الأمثلة نجد حالة برلين. فبنهاية الحرب العالميَّة الثانية، تم تقسيم العاصمة الألمانيَّة بالسُّور الإسمنتيِّ المسلَّح إلى منطقتين: الجزء الشرقي تحت التحكم السوفيتي، والجزء الغربي تحت تحكم الحلفاء، بقيادة الولايات المتحدة. واستمرَّ هذا التقسيم المحكوم عسكريًّا وسياسيًّا من 13 أغسطس 1961، إلى 9 نوفمبر 1989، فأثَّر بطرق سلبيَّة على هويَّة المدينة حضاريًّا، وعمرانيًّا، واقتصاديًّا. وباختصار لم تكن هناك أيُّ أسسٍ، أو مقوِّمات جغرافيَّة، أو تاريخيَّة، أو حضاريَّة للتقسيم. ومن التقسيمات الشَّهيرة الدوليَّة؛ نجد تقسيم نيقوسيا عاصمة قبرص منذ عام 1974 بجزءيها الشماليِّ التركيِّ، والجنوبيِّ، ويحدهما الخط الأخضر. ولكن هناك ما هو أهم لتاريخ العالم، وهو تقسيم القُدس بتاريخ 30 نوفمبر 1948 عند نهاية حرب النَّكبة، عندما قام العقيد عبدالله التل من الجانب العربيِّ، والعقيد موشيه دايان من الجانب الصهيونيِّ، برسم «الخط الأخضر» لتقسيم المدينة إلى القُدس الشرقيَّة والغربيَّة. فضلًا الملحوظة أنَّ ذلك التقسيم لم يستند إلى أيِّ أُسس جغرافيَّة، أو تاريخيَّة، أو حضاريَّة. أصبح الخط الأخضر رمزًا تاريخيًّا لإعادة التَّعريف العشوائيِّ للكيان العمرانيِّ والحضاريِّ لبيت المقدس، بناءً على الواقع العسكريِّ. ورأينا عبر السنين كيف تأثَّرت القُدس سلبيًّا بذلك التقسيم الغريب. ثمَّ رأينا نتيجة التقسيم عندما احتلَّت قوات الصهاينة كامل القُدس في 7 يونيو 1967، ثمَّ تبعه التَّأكيد على ترسيخه تشريعيًّا في البرلمان الصهيونيِّ «الكنيسيت» بتاريخ 30 يوليو 1980.

جاء ذلك من خلال إنفاذ «قانون القُدس»، الذي أكَّد على وحدة المدينة، وتسلُّط الصهاينة عليها كعاصمةٍ موحَّدةٍ. ثمَّ تمَّ التَّأكيد على ذلك عسكريًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا.

واليوم، وبعد مرور فترة حوالى 742 يومًا على اندلاع الحرب ضد أهالي وعمران غزَّة، يأتينا مقترح تقسيم غزَّة باستخدام «الخط الأصفر». والمقترح يتضمَّن تجزئة معنيَّة بالتنمية الحضريَّة والاستثمارات الدوليَّة، والإدارة المدنيَّة والأمنيَّة. هل ستكون شرقيَّة وغربيَّة، أم شماليَّة وجنوبيَّة، أم دوليَّة ومحليَّة؟.. وبصراحة الإجابة واضحة: قطاع غزَّة لا يقبل القسمة، لا بخطوط صفراء، أو خضراء، أو حمراء.

* أمنيـــــــــة:

بدأتُ المقال بذكر تحدِّيات القسمة، وسأُنهي بالتأكيد على ذلك. وللعلم، فـ»حول العالم» ستجد مئات المدن المقسَّمة بطرق عمرانيَّة مختلفة، وكل منها لها قصتها. ولكن ما يهمنا في هذا المقال، هو محاولة تقسيم قطاع غزَّة، علمًا بأنَّه صمد ضد الاعتداءات العسكريَّة العنيفة عبر التاريخ؛ للحفاظ على الوحدة والهويَّة العربيَّة الفلسطينيَّة. أتمنَّى أنْ يبقى كامل قطاع غزَّة عربيًّا فلسطينيًّا، شاملًا: غزة، خان يونس، ورفح، ودير البلح، وجباليا، وبيت لاهيا، وكل سنتيمتر من الإقليم -بتوفيق الله-، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store