وشهدت الجلسة نقاشاً مفتوحاً حول واقع ريادة الأعمال، ودور الجامعات في تمكين الابتكار، وتحويل الأفكار الريادية إلى مشاريع ملموسة تسهم في دعم التنمية الاقتصادية.
تحدثت الأستاذة رجاء مؤمنة حول أهمية تعزيز الشراكة بين القطاع الأكاديمي والقطاع الخاص ودورها في تسريع انتقال الأفكار الريادية من مرحلة الدراسة إلى مشاريع قائمة. وأكدت أن مفهوم التدريب التقليدي لم يعد مناسباً لاحتياجات سوق العمل الحالي، مشيرة إلى أن التدريب يجب أن يتحول إلى "رحلة تدريبية" يعيش فيها المتدرب التجربة الحقيقية التي سيدخل بها السوق.
وأكدت أن التدريب بحاجة إلى تغيير واسع، وأن التكامل بين التعليم والتدريب ضرورة أساسية، ويجب أن يبدأ من نهاية المرحلة الثانوية، بحيث يوجه الطلاب إما لإكمال التعليم الجامعي أو الالتحاق بالمسار المهني الذي يتيح لهم الانطلاق لاحقاً كرواد أعمال.
وعبّرت الأستاذة رجاء عن أمنيتها في أن تقام المؤتمرات والتجمعات الريادية داخل الجامعات، وأن يشارك فيها الداعمون والشركات بشكل أكبر، لأن وجود رواد الأعمال وسط بيئة أكاديمية ومهنية مشتركة يخلق فرصاً أوسع لهم.
وأوضحت أن رغم وجود العديد من المنصات الحكومية الداعمة، إلا أن كثيراً من الشباب ما زالوا يشعرون بعدم الجاهزية بسبب عدم معرفتهم بالتشريعات وخوفهم من التكاليف أو من ارتكاب مخالفات غير مقصودة. وأضافت أن المعوقات القانونية والمالية تعد من أكبر المشاكل التي تواجه المتدربين ورواد الأعمال، مطالبة بأن تكون هناك جهات قانونية متخصصة تساندهم منذ البداية.
وأكدت الأستاذة رجاء أن الابتكار وريادة الأعمال يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من المناهج، قائلة إن كل تخصص تدريبي أو أكاديمي يجب أن يتضمن مساراً لريادة الأعمال. وذكرت أن معهدهم بدأ بالفعل بتطبيق ذلك في دبلوم الأزياء، حيث أصبح جزء من البرنامج مخصصاً لريادة الأعمال، وسيتم تطبيق الفكرة على باقي التخصصات مستقبلاً.
وختمت حديثها بالتأكيد على أن الهدف ليس فقط تعليم الطلاب "كيف" يبدأون مشاريعهم، بل تعليمهم كيف ينفذونها فعلياً، وكيف يقيمون أنفسهم ويعرفون مواطن الضعف أو القوة، وإلى من يلجؤون عند مواجهة العقبات.
* هيفاء جمل الليل: الطلاب قادرون على وضع نماذج أعمال حقيقية
وتحدثت د. هيفاء جمل الليل عن الدور الحيوي الذي تقوم به جامعة عفت في تعزيز مخرجات التعليم بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل الريادي، مؤكدة أن تخصّص ريادة الأعمال في الجامعة صُمم ليقرب الطالب بشكل مباشر من الصناعة والقطاع الريادي. وأوضحت أن الجامعة تمكّن الطلاب من تنفيذ مشاريعهم الخاصة وتقديمها للمستثمرين بثقة، من خلال دمج التعلم النظري بالممارسات العملية.
وأشارت إلى أن الجامعة لا تكتفي بالمناهج الأكاديمية، بل تنظم يوماً لريادة الأعمال تستضيف خلاله شركات ومصانع ومؤسسات تجارية وغير ربحية لتقديم محاضرات وتجارب مباشرة للطلاب، مما يوسع مداركهم ويعزّز ارتباطهم بسوق العمل.
وفي حديثها عن النجاحات الريادية داخل الجامعة، ذكرت قصة إحدى الطالبات التي نجحت في تأسيس سبعة مشاريع وهي ما تزال طالبة، واعتبرتها نموذجاً ملهماً يستحق التقدير.
وأضافت أن جامعة عفت كونها مؤسسة أهلية غير ربحية تقدم للطالب دعماً أولياً لتنفيذ الفكرة، ثم تساعده في التواصل مع المستثمرين بعد نضج المشروع. مؤكدة أن تحقيق التقدم الاقتصادي يتطلب ترابطاً بين مجتمع الأعمال والمجتمع الأكاديمي.
وتطرقت إلى التحديات التي تواجه رواد الأعمال الشباب، موضحة أن البنوك لا تثق بسهولة في أفكار الطلبة، بينما الجامعة توفر لهم الدعم والمصداقية من خلال وجود محكمين متخصصين ومن خلال الشراكة مع جهات مثل الغرفة التجارية، ما يمنح المشاريع ثقة أكبر لدى أصحاب رأس المال.
وختمت بأن الطلاب قادرون على وضع نماذج أعمال حقيقية، لكنهم يحتاجون بيئة مالية مؤمنة، مطالبة البنوك بأن تكون أكثر حضوراً وتأثيراً لدعم رواد الأعمال في بدايات مشاريعهم.
* بسمة خوجه: التعليم، التمكين، والتطبيق
أوضحت د. بسمة خوجه أن الجامعات في السنوات الأخيرة، وبدعم من الدولة، أصبحت تولي اهتماماً كبيراً للأنشطة والمبادرات التي تعزّز ريادة الأعمال لدى الشباب. وذكرت أن جامعة الملك عبدالعزيز ركزت خلال الفترة الماضية على بناء منظومة متكاملة تقوم على ثلاث مراحل رئيسية هي: التعليم، التمكين، والتطبيق. وأكدت أن التعليم يبدأ من المنهج، بينما لعب التمكين دوراً مهماً في صقل مهارات الطلاب من خلال المعسكرات الصيفية التدريبية وورش العمل التي تقام حتى خلال الفصل الدراسي، إذ أظهرت هذه الجهود نتائج ملموسة. أما مرحلة التطبيق، فتمثلت في تحويل الأبحاث ومشاريع التخرج إلى تطبيقات عملية داخل المعامل والمختبرات.
وتحدثت د. بسمة عن البرامج والمشروعات التي أطلقتها الجامعة لتمكين الطلبة من تحويل مهاراتهم إلى مشاريع ريادية قابلة للتنفيذ، مشيرة إلى امتلاك الجامعة لعدد من المبادرات المستمرة، سواء بالشراكة مع القطاع الخاص أو التي أطلقتها الجامعة نفسها. ومن أبرزها برنامج "مبتكرو جامعة الملك عبدالعزيز" الذي يستمر منذ سنوات، ويعنى بالابتكارات الطلابية داخل الجامعة من خلال ورش ودورات ومسابقات تنظم بالتعاون مع جهات حكومية وخاصة، يتم فيها طرح مشكلات من قطاع الأعمال ليعمل الطلاب على ابتكار حلول لها عبر العصف الذهني والخروج بأفكار ريادية قابلة للتطوير.
وفيما يخص دور مراكز الابتكار في دعم الطلبة وتحويل أفكارهم إلى نماذج تجارية، أشارت د. بسمة إلى أن المركز استضاف عدداً من ممثلي القطاع الخاص بهدف الاستثمار في الشركات الطلابية، إضافة إلى استضافة غرفة جدة في جلسة حوارية تم خلالها استعراض الفرص والتحديات الموجودة في المدينة. ومكنت هذه اللقاءات الطلاب من عرض أفكارهم وطرح أسئلتهم، ومعرفة نوعية المشاريع التي يمكنهم بدء العمل عليها. وأكدت أن هذا التوجه يساعد المركز على التعرف على الفرص الحقيقية داخل السوق، لأن المناهج وحدها لا تكفي لتوضيح ما تحتاجه القطاعات أو التحديات التي تواجهها.
وأضافت أن المركز نظم في شهر أكتوبر الماضي المؤتمر الأول لريادة الأعمال والابتكار في الجامعات السعودية، والذي شاركت فيه 22 جامعة، ولاقى حضوراً واسعاً من القطاع الخاص والهيئات والجامعات الحكومية، وحقق نجاحاً كبيراً. كما يعمل المركز على جمع براءات الاختراع الموجودة في الجامعة وإدخالها في القاعات الدراسية ليتمكن الطلاب من الاطلاع عليها وتحويلها إلى أفكار قابلة للدخول إلى السوق. وأشارت إلى أن المركز يواصل تنظيم الورش والبرامج التوعوية التي تساهم في تعزيز الابتكار وتنمية المشاريع الريادية بين الطلاب.
* إيمان الظاهري: تطوير بيئة تعليمية محفزة على الإبداع
وأوضحت د. إيمان الظاهري أن جامعة جدة تعتمد على منهجية تقوم على الانفتاح والتكامل مع الجامعات الأخرى والقطاعات المختلفة، بهدف تبني مبادرات مشتركة تساهم في تطوير بيئة تعليمية محفزة على الإبداع والعمل الريادي. وذكرت أن من بين أبرز هذه المبادرات تنظيم المسابقات والمعسكرات وورش العمل بالتعاون مع جهات متنوعة، مشيرة إلى آخر المبادرات كانت بالشراكة مع وزارة الحج والعمرة، وهي مبادرة خلقت بيئة داعمة للابتكار من خلال طرح التحديات الحقيقية التي تواجه قطاع الحج أمام الطلاب، وإتاحة الفرصة لهم لتقديم حلول عملية بإشراف مستشارين من الوزارة. وأكدت أن مثل هذه التجارب تعزّز مهارات الطلاب وتزيد من فرص تبني الحلول الإبداعية المقدمة، إضافة إلى دعم الجامعة لمشاركة طلابها في المسابقات التي تنظمها الجامعات الأخرى وترشيح أعضاء هيئة التدريس للمشاركة في التحكيم وتبادل الخبرات، مما ينعكس إيجاباً على تطوير مهارات الطلاب الريادية. وفيما يتعلق ببرامج التدريب في الجامعة وربطها بمتطلبات سوق العمل، قالت د. إيمان إن جامعة جدة تعتمد على التعليم بالممارسة والتطبيق العملي داخل المقررات، حيث تتضمن أغلب المواد مشاريع تطبيقية ومشاريع تخرج تنفذ بالشراكة مع جهات حقيقية مثل مركز الأمير سلطان للدراسات والبحوث الدفاعية وبرنامج ضيوف الرحمن بوزارة الحج والعمرة. وأضافت أن الجامعة تعقد في بداية كل سنة لقاءات مع ممثلي هذه الجهات لطرح التحديات الحالية في قطاعاتهم، ليعمل الطلاب على إيجاد حلول واقعية لها بإشراف مشترك من عضو هيئة تدريس ومن ممثل القطاع، مؤكدة أن هذا النهج أحدث فرقاً كبيراً في نوعية مشاريع التخرج التي لم تعد نظرية كما كانت في السابق، بل أصبحت مرتبطة بمشكلات فعلية يسعى الطلاب لحلها، وهو ما يعزز جاهزيتهم لسوق العمل ويدعم التدريب التعاوني.
وأشارت د. إيمان إلى أن الجامعة بدأت بتضمين مواد ريادة الأعمال في الخطط الدراسية لجميع البرامج الأكاديمية، بعد اعتماد مجلس شؤون الجامعات لمجموعة من المناهج المطورة، بلغ عددها 11 منهجاً من بينها “ريادة الأعمال في الذكاء الاصطناعي”، وقد بدأ الطلاب بالفعل دراستها. كما تحدثت عن برنامج كفاءة الهيئة التعليمية ضمن منظومة التعليم، والذي يعد إحدى المبادرات المهمة التي تركز على تبني مهارات الجيل الرابع، حيث تم تحديد المهارات التي يحتاجها الطلاب في المرحلة الحالية والعمل على تعليمهم إياها، مع التأكيد على دعم استخدام التكنولوجيا دون خلق رهبة منها، بما يهيئ الطلاب للتعامل بفعالية مع متطلبات سوق العمل المستقبلي.
وفي ختام الجلسة الحوارية، قام أمين غرفة جدة رامز آل غالب بتكريم المتحدثين نظير مشاركتهم القيّمة وإسهامهم في إثراء الحوار. كما جرى التقاط صورة جماعية توثق المناسبة وتؤكد حضور وتفاعل القيادات الأكاديمية في دعم ريادة الأعمال والابتكار.


