حين تهزمُنَا الحياةُ، تسندُنا الكُتبُ! ودون شعور، قادني الحنينُ لرائحة الكُتب.. لصورة أبي وإخوتي يقلِّبُون أوراق (الجرايد)، لحكاية يغفُو عليها قلبي، لأريكة تستلقي عليها رُوحي، هنا حيث يفوح عبقُ ذاك الشعورِ الخالي من كلِّ شيءٍ إلَّا من رغبةٍ لمُتَّكأ يهجعُ عليه أنينُ قلبِي.
في ممرَّات المكتبةِ، تسمَّرتُ للحظاتٍ كـ(لاجئٍ يفتحُ بابَ وطنٍ)، كروحٍ تُعانقُ فقيدًَا غيَّبهُ الموتُ، كأُمٍّ تحتضنُ صغارها بعد غيبوبةٍ طويلةٍ!! تنقَّلتُ بينَ صفوف الكُتب، وأنا أحملُ هذا، وأتصفَّحُ هذا، ثمَّ جالت عينايَ في أنحاء المكتبة ففاضتَا دمعًا.. شعور أنْ تقفَ اللحظات على يومٍ قديمٍ.. على زمنٍ رحل ولن يعودَ!! تذكَّرتُ أنِّي في طفولتِي قرَّرتُ -وأخي- أنْ ندَّخرَ كلَّ قرشٍ لشراء مجلة «ماجد».
تذكَّرتُ أنَّ أقصى أماني قلبِي رفوفٌ تعجُّ بالكتب ورفٌّ ممتلئٌ بأجمل العُطورِ..!!
ومرَّتِ السُّنُون، وأصبحتُ قادرةً على شراء أجمل العطورِ، وكلَّ ما أريدُ من كتبٍ! وامتلأتْ -وللهِ الحمدُ- رفوفِي بالكُتبِ والعُطورِ! لكنَّ شغفَ القراءة غاب، وأُهدرت معه رغبتِي في الكتابةِ..! ربَّما لأنَّ الذين يقرأُونَ غابُوا كمَا غبنَا.. ربَّما لأنَّ عجلةَ الزَّمن دهستْ فينَا عواصف التحليقِ.. ولذة الاسترخاءِ، ربَّما لأنَّ الحياةَ تركضُ ونحنُ نسابقُهَا ففقدَنَا المعنَى وتجرَّعنَا المادَّة!!، ربَّما لأنَّ القاتلة (سوشيل ميديا) أرادتْ ذلك.. وفعلتْ!!
مَن يُعيدُ لِي مبسمَ كتابِي، ورقصَ قلمِي؟ مَن يُعيدُ جُرمَ (الكتابةِ) المنيرَ في هذه المجرَّةِ المظلمةِ؟ مَن يُنبتْ في داخلِي (الشُّعورَ) الذي يُحيِي حروفِي؟! مَن ينقذُنَا من أنفسِنَا ويُعيدُنَا لنَا؟!!



