Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

لماذا أغلفة الروايات الأجنبية مميزة؟

A A
في الأسابيع الأخيرة، لفتتني مقاطع في التيك توك، يتحدَّث فيها قرَّاء وكتَّاب ومهتمُّونَ عن أغلفة الرِّوايات، بعضهم يحتفي بما يراه من جمالٍ بصريٍّ في الإصدارات العالميَّة، وبعضهم يوجِّه انتقادات حادَّة لما يظهر في بعض الإصدارات العربيَّة. هذا الجدل المتزايد جعلني أتوقَّفُ أمام سؤال بسيط: لماذا أصبح الغلافُ عنصرًا يشغل النَّاس إلى هذا الحد؟

في أسواق النَّشر العالميَّة، لا يُنظر إلى غلاف الرِّواية؛ بوصفه مجرَّد صورة تُلصق على الكتاب، بل يُعامل كعملٍ فنيٍّ متكاملٍ، يحمل روح النَّصِّ، ويترجم مزاجَهُ وفكرتَهُ بلغةٍ بصريَّةٍ ساحرةٍ. هناك صناعة كاملة قائمة على فهم هذا الجمال، فالتصميم يمرُّ بدراسة دقيقة للألوان، والرُّموز، والزَّوايا، وحتَّى نوع الخط ودرجة سطوعِهِ. لا شيء يُترك للصدفة. والسَّبب أنَّ القارئ في تلك الأسواق يتعامل مع الغلاف كنافذةٍ أُولَى للدخول إلى عالم الرِّواية، وكمؤشرٍ على جودة التجربة التي تنتظره. المصمِّمُونَ في الخارج هم متخصِّصُونَ، دارسُونَ لمجالاتِ التصميم البصريِّ، ومُطَّلعُونَ على توجُّهات السوق، والاتجاهات الفنيَّة الحديثة. ولذلك تظهر أغلفتهم متجدِّدةً، مبتكرةً، وغير تقليديَّةٍ إطلاقًا. أحيانًا يمكن لغلاف واحد أنْ يحمل رُؤية فنيَّة تُغني عن عشرات الكلمات، فيلامس ذائقة القارئ، ويغريه باقتناء الكتاب حتَّى قبل أنْ يعرف شيئًا عن مضمونه. ولهذا لا غرابة أنْ نرَى القرَّاء في الغرب يشترُونَ الرِّوايات بدافع إعجابهم بالشَّكل الخارجيِّ، بقدر إعجابهم بما في الداخل؛ لأنَّ الجمال البصريَّ أصبحَ جزءًا من التجربة الأدبيَّة نفسها.

وعندما نقارن ذلك ببعض الإصدارات العربيَّة، نجد فجوةً واضحةً. ما زالت بعض دور النشر تتعامل مع الغلاف كخطوةٍ ثانويَّةٍ، وكأنَّه مجرَّد واجهة لا تحتاج إلى إبداع أو رُؤية. والنتيجة روايات ممتازة تُظلَم منذ اللَّحظة الأُولَى؛ بسبب غلاف لا يمتُّ لعالمِهَا بِصِلَةٍ، أو يفتقر لأبسط عناصر الجاذبيَّة البصريَّة. وكأنَّ الرِّواية كتابٌ مدرسيٌّ لا يحتاج سوى عنوانٍ وصورةٍ تقليديَّةٍ، رغم أنَّ الغلاف عنصر تسويقي، يصنع الانطباع الأَوَّل، ويؤثِّر مباشرةً في قرار القارئ.

والمثير أنَّ بعض المقاهي في جدَّة، بدأت مؤخَّرًا باستخدام الرِّوايات وأغلفتها كجزء من الديكور، بل وتوفيرها للقراءة، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ارتفاع الوعيِ بالجمال البصريِّ، وعلاقته بالأدب. الغلافُ أصبحَ جزءًا من المشهد الثقافيِّ اليوميِّ، لا مجرَّد غطاء لكتاب. ولهذا تبدو الحاجة ملحَّة لإعادة النظر في تصميم أغلفة الرِّوايات. المطلوب ليس ترفًا بصريًّا، بل احترام للنصِّ وإيمان بأنَّ الرِّواية تجربة تبدأ قبل الصفحة الأُولَى. فامنحُوا النصوصَ بوابةً تليق بها، ودعُوا الغلاف يحملها إلى القرَّاء كما تستحق.

* من النافذة:

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store