Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

زيارة إستراتيجية تُرسِّخ أُسس شراكة سعودية - أمريكية متجددة

A A
في خطوةٍ تُعدُّ من أبرز المحطَّات في مسار العلاقات السعوديَّة - الأمريكيَّة، خلال السنوات الأخيرة، وصل محمد بن سلمان وليُّ العهد إلى العاصمة الأمريكيَّة (واشنطن)، في زيارة رسميَّة، حملت معها مؤشِّرات مهمَّة على إعادة ضبط أولويَّات التعاون بين البلدين في المجالات السياسيَّة، والاستثماريَّة، والدفاعيَّة.

تأتي هذه الزيارة، بعد انقطاعٍ نسبيٍّ في الزِّيارات على مستوى القمَّة منذ عام 2018، ما يمنحها دلالةً إضافيَّةً في ضوء التحوُلات الإقليميَّة والدوليَّة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. خلال المحادثات التي جرت مع الرئيس الأمريكيِّ دونالد ترمب، تمَّ تسليطُ الضوءِ على ملفَّات محوريَّة، منها الدِّفاع، والتَّسليح، الطَّاقة النوويَّة المدنيَّة، والذَّكاء الاصطناعيُّ، إلى جانب استثماراتٍ سعوديَّة ضخمة في الولايات المتحدة، قد تصل إلى تريليون دولار، بحسب تصريح وليِّ العهد نفسه.

من الجانب السعوديِّ، جاءت الزِّيارة في إطار رُؤية أوسع تُعنَى برُؤيةِ السعوديَّة 2030 التي تشدِّد على تنويع الشَّراكات الدوليَّة، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطنيِّ، وتوظيف العلاقات مع القوى الكُبْرى؛ لتحقيق مكتسباتٍ إستراتيجيَّة. وفي هذا السياق، إنَّ تأكيدَ زيارة وليِّ العهد على أنَّ العلاقة مع الولايات المتحدة «لا يمكن استبدالها» يدلُّ على تفهُّمٍ واضحٍ لأهميَّة الرياض في سياق الاعتبارات الأمريكيَّة والإقليميَّة.

على الصعيد الدِّفاعيِّ، أعادَ الرئيسُ الأمريكيُّ تصنيفَ المملكة العربيَّة السعوديَّة كحليفٍ رئيسٍ من خارج حلف شمال الأطلسي، ما يفتحُ فضاءً أوسعَ للتَّعاون العسكريِّ والتقنيِّ. هذا التوجُّه يأتي في وقتٍ يتَّجه فيه الشرق الأوسط إلى إعادة تشكُّل تحالفاته وردِّ الفعل على المتغيِّرات الإقليميَّة، من ملفَّات مثل: اليمن، وسوريا، ولبنان، إلى ملفِّ العلاقات مع إيران.

أمَّا من المنظور الاستثماريِّ، فإنَّ الإعلان عن استثمارات سعوديَّة ضخمة في الولايات المتحدة، يضعُ الرِّياض في مركزٍ فعَّالٍ ضمن خارطة الاقتصاد العالميِّ، ويمنحها قدرة تفاوض إستراتيجيَّة أكبر في شراكاتِهَا الخارجيَّة. لكنْ من المهمِّ ملاحظة أنَّ حجم التَّنفيذ، ونجاح ترجمة هذه الالتزامات إلى واقع ملموس، يبقيان مفتاحَ التَّقييم الفعليِّ لمدى تأثير الزيارة.

من ناحية المنطقة، تحمل هذه الزيارة دلالةً مزدوجةً..

أوَّلًا: هي رسالة إلى القوى الإقليمية بأن المملكة تستعيد دورها كشريك فاعل في صياغة منظومة أمنية واستثمارية مع الغرب.

ثانيًا: بأنَّها تشكِّل منصَّةً لتعزيز المبادرات التي تُعنَى بحلِّ النزاعات، وتحقيق الاستقرار من خلال الحوار، وليس فقط من خلال الخيار العسكريِّ.

ختامًا، يمكن القول: إنَّ زيارة وليِّ العهد إلى واشنطن تشكِّل نقطة تطوُّر مفصليٍّ في علاقات البلدَين نحو «فصل جديد»، كما وصفته وكالاتُ الأنباء، لكنَّ قيمة هذا الفصل ستُقَاس بما يُترجَم من اتفاقيَّاتٍ، مشروعاتٍ استثماريَّةٍ، وتعاونٍ أمنيٍّ - إستراتيجيٍّ. ما نحتاجه الآن هو متابعة دقيقة لنتائج ما بعد الزيارة، فالعلاقة بين الرِّياض وواشنطن دخلت مرحلةً غير مسبوقةٍ من الشَّراكة الإستراتيجيَّةِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store