Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

الفلسفة.. في ضوء المستقبل

A A
سنويًّا، يحتفي العالم في «الخميس الثالث» من شهر نوفمبر، باليوم العالميِّ للفلسفة، باعتبارها عِلمًا جوهريًّا في تطوير المجتمعات، وتقديرًا لقيمتها الكُبْرى في حياة الإنسان، وبناء فكره.

إنَّ الفلسفة تهتمُّ بالرد على «صرخة الروح»، كما أشار (إبكتيتوس)، وهي تنبري للإجابة عن أسئلة الحقيقة، والمعنى، والأخلاق، وتهتم بالتفكير النقديِّ في مشكلات الحياة، والموت، والحريَّة، والعدالة، والمعرفة، وتُعدُّ من المجالات القليلة التي تُشجِّع الفرد على إعادة التفكير الدائم في المسلَّمات، وتطوير قدراته التحليليَّة، وتعليمه التصرُّف بطرقٍ أفضل، واستخدام وسائل أنجح في معترك الحياة، أي العيش بفضيلةٍ وسكينةٍ وطمأنينةٍ وتقبُّل ورِضا. إنَّها الوسيلة الأمثل لعيش حياة ثريَّة للنفس وللآخرين.

وتهدف الفلسفة إلى طرح التساؤلات، وكشف الأكاذيب، وتعرية الحقيقة، ومواجهة الإنسان بها، دون النظر إلى قناعاته ومسلَّماته الشخصيَّة.. إنَّها لا تتجمَّل، ولا تُداهن، ولا تُحَابي؛ لذلك يتجنَّب الخوض فيها ضعفاءُ القلوب وصغارُ العقول. وقد رأى (أرسطو) أنَّه يمكن للفلسفة أنْ تكون مصدرًا للمتعة الخالصة، ومن أهم أسباب السعادة، ومِن جميل ما قال عنها: «علَّمتنِي الفلسفةُ أنْ أفعلَ، دونَ أوامرَ، مَا يفعلُهُ الآخرُونَ خوفًا مِن القَانُونِ».

وفي عصر ازدهار الحضارة العربيَّة والإسلاميَّة، قام العرب بحفظ الفلسفة القديمة وشرحها وإثرائها، فمثلًا، رأى الفيلسوف العربي (الكندي) أنَّ «علم الفلسفة هُو كمال العلم بالحقائق، وأنَّ الفلاسفة هم الجديرُونَ بوراثةِ الأنبياءِ واتصال علمهم». وقد أكَّد (ابن رشد) على أنَّ الفلسفة «أعلى غايات طبيعة الإنسان، ولكنْ قَلَّ مَن يستطيع من النَّاس أنْ يبلغَهَا». أمَّا المؤسِّس الأوَّل للفلسفة الإسلاميَّة (الفارابي) فقال عنها: «هِي حكمةُ الحِكم.. وعلمُ العلومِ.. وأُمُّ العلومِ».

إنَّ الفلسفة في زمننا الرَّاهن ضرورة يوميَّة، فهي وسيلة لإكساب الفرد مهارات التفكير التحليليِّ، والقدرة على اتخاذ قرارات واعية، والعيش بحكمةٍ ومعنى، في عالم يُعانِي من النزاعات والحروب والصِّراعات الفِكريَّة. والفلسفة ضرورة لدراسة المستقبل في ضوء الحاضر والماضي، فهي تتجاوزُ حدود اليقين والعلم، إلى سعةِ الخيال والتفكير في احتمالات وخيارات ذات طابعٍ علميٍّ؛ تتنبَّأ بالأحداث والأزمات السياسيَّة المقبلة، وإيجاد حلول لها.. إنَّ «فلسفة المستقبل» ضرورةٌ أخلاقيَّةٌ قيميَّةٌ في عصر ما بعد الحداثة، وثورة التقنية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store