Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

بركة بحيرة الأربعين!

A A
رسخَ في أذهان سكَّان جدَّة حتَّى وقتٍ قريبٍ، ما يُطلِقُونَ عليهِ «بركة بحر الأربعين»، وبحر الأربعين يُطلق على بحيرةٍ صغيرةٍ في قلب مدينة جدَّة، وكانت إلى زمنٍ ليس ببعيدٍ مثارَ شكوَى أهلها للرَّوائحِ النتنةِ الصادرة منها، لكن وفي أزمنةٍ سابقةٍ كان لسكَّان جدَّة اعتقادٌ في بركتها، وقدرةِ مائِها على الشِّفاء من الأمراض، وقد تحوَّلت مع الزَّمن إلى شيءٍ مقدَّسٍ؛ بحجَّةِ أنَّ الخليفةَ الرَّاشد عثمان بن عفان -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عندما زارَ جدَّة وجعلها ميناءً لمكَّة المكرَّمة في العام 26هـ، اغتسلَ فيهِ، وقالَ: «هذَا بحرٌ مباركٌ».

وفي هذا يقول مؤرِّخُ جدَّة أحمد الحضراي (تُوفِّي 1327هـ): «ولمْ يزلْ أهلُ جدَّة إلى الآنَ يغسلُونَ مرضَاهم فيهِ تبرُّكًا بمائِهِ كما هُو المعهودُ، وهُو أهونُ البحارِ وأكثرُهَا بركةً وخيرًا». ولهذا أصبحت قداسة لبحر الأربعين في أذهان سكَّان جدَّة، واستمرَّت إلى وقت قريب، حيث يروِي الصحفيُّ عبدالعزيز أبو زيد في كتابهِ «حكايات العطَّارين في جدَّة القديمة» وهُو ينقلُ ما كان يعتقدُه سكَّانُها من أدوار للعطَّارين ووصفاتهم العلاجيَّة بقوله: «بحر الأربعين.. كان يمثِّل مرحلةً مهمَّةً وأساسيَّةً من مراحل العلاج عند العطَّار، فكان سكَّان جدَّة القديمة يُصدِّقُون كلَّ ما يقوله شيخُهم العطَّار من وصفات شعبيَّة، يذهب أحدهم إلى شاطئ بحر الأربعين للسِّباحة والاغتسال فيه، وشرب القليل من مياهه الشَّديدة الملوحة، وكان بحر الأربعين يشكِّل عند العطَّارين جزءًا من التَّشخيص لبعض الحالات التي قد لا يفهم أعراضها المبكِّرة، أو يكون قد احتار بشأنها، ليحيل ذلك الغموض لمياه الأربعين، وينصح المريض بالتبرُّك بشاطئهِ ليقدِّم للعطار السرَّ الذي لم يستطع الوصول إليه، وأحيانًا تكون مياه بحر الأربعين مرحلةً رئيسةً من مراحل العلاج لبعض الأمراض التي يعرفها العطار».

وينقل عن ثلاثة من أهالي جدَّة المعاصرين له بقوله: «يقول صالح علي خضري، وأحمد، وأسعد تكروني: كان الناس يعتقدُون أنَّ مياه بحر الأربعين تُشفي بعض الأمراض، وخاصَّةً الأمراض الجلديَّة والظاهريَّة، أو الأمراض التي تصيب الشخص فجأةً دون أعراض مسبقة.. والكثير كانُوا يرتاحُون بالسِّباحة فيه للاعتقاد ببركته، وكانت أعداد قليلة تأتي من خارج جدَّة للاغتسال والسِّباحة فيه طلبًا للشفاءِ». وفي هذا دلالة على مدى ترسُّخ الاعتقاد الشعبيِّ بين سكَّان جدَّة في بركة مياه بحر الأربعين، وقيمته العلاجيَّة والشفائيَّة، رغم عدم توافقها مع الحسِّ العقليِّ السَّليم، فإنَّه لا يمكن عدُّهَا أكثر من آثار شعبيَّة قديمة، وفي مقدمتها المعتقدات الأسطوريَّة، أو الخرافيَّة التي لا يزال يتمسك بها الإنسانُ حتَّى اليوم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store