لحظاتٌ تاريخيَّةٌ دقَّت فيها الطُبولُ، وأُسرجت الخيولُ، وانطلقت الفرقُ العسكريَّة.. وجابت طائراتٌ حربيَّةٌ سماءَ واشنطن، كلغةٍ ترحيبيَّةٍ لم يسبق لها مثيلٌ منذ مئة عام، في استقبال كبار الشخصيَّات، ولكن هذه الشخصيَّة استثنائيَّة، والقائد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان هو ملهم العالم بفكرة السَّلام والاستقرار في الشرق الأوسط.. ثمَّ يصل لمطبخ صنَّاع السياسات العالميَّة في واشنطن..
أمريكا ليست شريكًا جديدًا للسعودية، بل هي من أقدم الشركاء الإستراتيجيين، ومنذ تأسيس الدولة السعودية على يد المؤسس -المغفور له بإذن الله- الملك عبدالعزيز، الذي أبرم اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع (شركة ستاندر أوف أويل)، ثمَّ تأسيس شركة أرامكو، والتي اشترت السعوديَّة كامل حصتها تدريجيًّا، حتَّى أصبحت ملكًا للدولة.
وها هو سموُّه الكريمُ صاحبُ الكاريزما المميَّزة يكملُ مسيرةَ القيادةِ والتأسيسِ بقوِّة الشُّموخ والأصالة العربيَّة.. وجراءة في الحقِّ، فقال: «نحنُ لا نخلقُ فرصًا وهميَّةً؛ لإرضاءِ أمريكا، أو إرضاءِ الرَّئيس ترامب»، ممتطيًا ركاب المجد، بثقتِهِ بشعبِهِ، فهو جبلُ طويق الإرادة، واقتصادنا ينافسُ اقتصاديَّات الدُّول الكُبْرى.. ذهب سموُّه حاملًا جيناتِ الملوكِ السعوديِّين في الاتِّزان والحِكمة والرُّشد، والجينات الدبلوماسيَّة، فابنُ عمِّه سعود الفيصل -رحمه الله- نواةُ الدبلوماسيَّة السعوديَّة.. نعم، إنَّه سليلُ أسرةِ العراقةِ والأصالةِ، التي كانت -ولا زالت- تضعُ قضيَّة فلسطين في أولويَّاتها، حيث أكَّد سموُّه في كلمتهِ في المؤتمر الصحفيِّ: «نريدُ أنْ نضمنَ مسارًا حقيقيًّا للتوصُّل إلى حلِّ الدَّولتَينِ، ونريدُ سلامًا مع إسرائيلَ والفلسطينيِّينَ في المنطقة بأسرِهَا».
وأمَّا ترامب، الذي جاوز بروتكولات الاعتزاز بالزِّيارة.. ووقفَ عند باب سيَّارة سموِّه، وانحنى إنحناءةَ إكبارٍ وتقديرٍ في تناغمٍ رفيعِ المستوى ولغةِ جسدٍ وحوارٍ بين حضارتَينِ.. الحضارة الأمريكيَّة التي قلَّ أنْ تجدها متواضعةً تنحني للحضارةِ السعوديَّة؛ ليكتب تاريخُ العرب فصلًا جديدًا في السيادةِ والرَّيادةِ.. وأنَّ مَن يقودهم هو اللاعبُ الرئيسُ مع واشنطن في صياغة العلاقاتِ الدوليَّة..
وقد أكَّد ترامب، أنَّ مَن وطَّد العلاقة بين سوريا وأمريكا، هو محمد بن سلمان.. وهي نفس العبارة التي قالها الرئيسُ السوريُّ أحمد الشرع، حينما زار واشنطن، وقال:
(السعوديَّة مفتاحُنَا للعالَم).. ها هو يفتحُ بابًا للسَّلام في السودان، الذي أرهقته الكوارث الإنسانيَّة من قوى دوليَّة وضبابيَّة المواقف السياسيَّة والعسكريَّة فيها.
كما أنَّ انعقاد منتدى الاستثمار في واشنطن، هو جوهرُ الزِّيارة لكثير من الآمال في مزيد من التنمية الاقتصاديَّة للبلدَينِ، وأنَّ الاستثمارات مع واشنطن ستصلُ إلى تريليون دولارٍ.. والاتفاقيَّات ستشمل التَّقنية، والموارد الخام، والمعادن، واستثمار المملكة في مجالات الحوسبة، والرقائق، وأشباه الموصِّلات.. وهي مجالات تحتاجها السعوديَّة في الثورة الصناعيَّة التي بدأتها في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيِّ. بل سيكون هناك تعاونٌ في بناء محطَّات الطَّاقة النوويَّة السَّليمة، والطاقة المتجدِّدة.
وفي جميع أقواله، التي يسهب بها ترامب، لا بُدَّ أنْ يقول: «إنَّ محمد بن سلمان رجلٌ رائعٌ ومبهرٌ ودائمًا يفكِّر ببلادِهِ على كلِّ الأصعدة»، وهي شهادةٌ للتاريخ من أعظم شخصيَّة قياديَّة في العالم، وتدير التوازنات الإقليميَّة الدوليَّة، يجعلنا نفخرُ كسعوديِّين بأنَّنا في كنف قيادةٍ شابَّةٍ تمثِّل آفاقًا واسعةً من المستقبل المزدهر، ستتجاوز فيها السعوديَّة دُولًا كُبْرى.
ومع هيبة المواقف في الزِّيارة، تسودُ روحُ الدُّعابة -أيضًا- حينما سأل ترامب، الأميرَ محمد بن سلمان: «مَن أفضلَ رئيسٍ أمريكيٍّ تعرفُهُ؟ وبدبلوماسيَّةِ سموِّه، قال له: الرئيس رزوفلت، وريجان؛ لدورهما الكبير في العلاقات الأمريكيَّة السعوديَّة.. ثمَّ استدرك، وقال: وأنتَ أيضًا»؛ ممَّا أسعدَ الرئيس؛ لأنَّه هو ما كان يضمرُه من السُّؤال.


