من القصائد الرَّائعة للشَّاعر الجاهليِّ الشَّهير «الأعشى ميمون بن قيس»، قصيدةٌ جميلةٌ وطريفةٌ، لها قصَّة يذكرها العربُ، وقعت بين «الأعشى»، ورجل يُعرَف باسم «المُحلَّق الكلابي».
يُقال إن «المحلق الكلابي» كان له شرف ومكانة عند قومه، وله بنات قد عنسن فلم يتزوجن؛ لظروف صعبة مرت بوالدهن، فقالت له «امرأته»: ما يمنعك من التعرُّض للأعشى، وقد كان «المُحلِّق» مُتوجِّهًا -وقتها- إلى سوق عكاظ، وزادت أنْ قالت لبعلِهَا: ما رأيتُ أحدًا استمالَ «الأعشى» إلى نفسهِ إلَّا وقد كسبَ خيرًا كثيرًا، ويزعمُ النَّاسُ أنَّه لم يمدحْهُ أحد قط إلَّا رفعَهُ، ولم يهجُهُ أحد قط إلَّا وضعَهُ.
فردَّ «المُحلَّق» على زوجته قائلًا: ما عندي إلَّا ناقتِي وعليها الحمل، فقالت لهُ: الله يخلفها عليك. ثمَّ مضَى «المُحلَّق» وتلقَّى «الأعشى» من بعيد؛ خوفًا أنْ يسبقه إليه أحدٌ، فوجد ابنه يقودُ به إلى السُّوق، فأخذ الخُطام، فقال «الأعشى»: مَن هذَا الذي غلبنَا على خطامِنَا؟ قال: «المُحلَّق»، فردَّ «الأعشى» عليه قائلًا: شريفٌ كريمُ شمائل.
فأنزلهُ ونحرَ له ناقتَه، وكشطَ على سنامها وكبدها، ثمَّ أحاطت به بناتُه، يخدمنه، فقال «الأعشى»: ما هذهِ الجواري مِن حولي؟ قال «المُحلَّق»: بنات أخيك. فلمَّا رحلَ من عنده، ووافى سوق عكاظ، جعل ينشدُ قافيتَهُ التي مدح بها «المُحلَّق» والتي مطلعها:
أَرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ
وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ مَعشَقُ
وَلَكِن أَراني لا أَزالُ بِحادِثٍ
أُغادِى بِمَا لَم يُمسِ عِندِي وَأُطرَقُ
فَإِنْ يُمسِ عِندي الشَّيبُ وَالهَمُّ وَالعَشَى
فَقَد بِنَّ مِنِّي وَالسِلامُ تُفَلَّقُ
أَبَا مِسمَعٍ سارَ الَّذِي قَد صَنَعتُمُ
فَأَنجَدَ أَقوامٌ بِذَاكَ وَأَعرَقُوا
إلى أنْ قال:
لَعَمري لَقَد لاحَت عُيونٌ كَثيرَةٌ
إِلى ضَوءِ نارٍ في يَفاعٍ تُحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقرورَينِ يَصطَلِيانِها
وَباتَ عَلى النَّارِ النَّدى وَالمُحَلَّقُ
رَضيعَي لِبانٍ ثَدِي أُمٍّ تَحالَفَا
بِأَسحَمَ داجٍ عَوضُ لا نَتَفَرَّقُ
شاعت هذه القصيدة الرَّائعة عند العرب، فما أتت على «المُحلَّق الكلابي» سنة واحدة إلَّا وتسابق أكابرُ القوم إلى بنات «المُحلَّق الكلابي»، حتَّى تزوجنَ عن آخرهنَّ، كل واحدة منهنَّ على مئة ناقة، فأيسرَ «المُحلَّق الكلابي»، واستغنَى، وشرفَ، وذاعَ صيتُه بين قومه على خلفيَّة شعر الأعشى، بل وأصبح «المُحلَّق» من سادات قومه.


