يدرك كلُّ ذي بصر وبصيرة، مكانة المملكة العربيَّة السعوديَّة، فهي قِبلةُ المسلمين، ومصدرُ الطَّاقة الأوَّل في العالم، وواحدةٌ من أهم القوى الفاعلة سياسيًّا واقتصاديًّا. ويدرك أصحابُ العقول وزنَ المملكة وثقلَها في الميدان الدوليِّ، كما يدركُونَ حكمة قادتها منذ تأسيس هذا الكيان المبارك، فكم من مواقف راهن البعضُ على سقوطها، فخسرت رهاناتُهم أمام حنكة القيادة، ورجاحة العقل، لا أمام الجاهلِينَ الذين يحرِّكُون الشعوب بغوغائيَّتهم، لا بحكمتهم وبصيرتهم.
وفي هذا السياق تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان، هذا الفتى الذي إنْ كان امتدادًا لحكمة الآباء وقادتهم، إلَّا أنَّه أميرٌ جَسَورٌ مِقدامٌ في قراراتِهِ وخططِهِ، وكأنَّه يتمثَّل قول الشَّاعر:
«إِنَّ الفَتَى مَنْ يَقُولُ هَأَنَذَا
وَليسَ الفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي»
فهو صاحبُ رُؤية جديدة لهذا الكيان العظيم، وحفيدُ المؤسِّس الذي جاء ليحفظ الإرث، ويضيف إليه، ويكسب ثقة شعبهِ، والعالمِ من حوله. مكانةُ المملكة يعرفُها العاقلُ، ويجهلُها -أو يتجاهلها- الحاقدُ، ولذلك ليس غريبًا أنْ يُلقَّب سموُّه بـ(أمير العرب وقائدهم)، وبـ(أمير الشرق الأوسط)؛ لما له من حضورٍ وتأثيرٍ في معادلات المنطقة.
جاءت زيارةُ سموِّ وليِّ العهدِ إلى الولايات المتحدة، محطَّةً سياسيَّةً تاريخيَّةً، حملت أبعادًا تتجاوزُ البروتوكول؛ لتصل إلى عمق التوازن الإقليميِّ في الشرق الأوسط. وقد كان الاستقبال الكبير الذي أظهره الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب علامةً على تقدير عالميٍّ يتجاوز حدود المصالح، ويعكس احترامًا لشخصيَّة قياديَّة فاعلة.
ولم يكن السعوديُّون وحدهم مَن شعرُوا بالفخر، بل عبَّر كثيرٌ من أشقائنا العرب عن اعتزازِهم بالحفاوة التي حظي بها سموُّه، معتبرِينَ أنَّها لحظةٌ عربيَّةٌ مشرِّفةٌ، تعكس حضور قائد شاب يُمثِّل طموح جيله.
تناولت الزيارة ملفَّاتٍ اقتصاديَّةً ضخمةً، أبرزها استثمارات سعوديَّة بين 600 مليار، وتريليون دولار داخل الولايات المتحدة، إضافةً إلى صفقة طائرات F-35؛ لتعزيز القُدرات الدفاعيَّة، واتِّفاق تعاون في الطَّاقة النوويَّة المدنيَّة، واستثمار مشترك في البنية التحتيَّة للذكاء الاصطناعيِّ، ضمن توجُّهات رُؤية 2030 التي يقودها عرَّابُها الأميرُ محمد بن سلمان. كما شملت الزيارة تفاهماتٍ أمنيَّةً موسَّعةً، تُعزِّز استقرار المنطقة، وتدعم الأمنَ الدوليَّ.
لقد أكدت الزيارة أن المملكة اليوم قوة إقليمية ودولية، قادرة على صياغة المستقبل، تسير بثبات نحو موقع يتسق مع تاريخها وحجمها ودورها الطبيعي بين الأمم.


