أثار سؤال الأستاذ عبدالله المديفر، للدكتورة أمل الهزاني، في برنامجه «في الصورة»، حول «شُحِّ المحلِّلِينَ السياسيِّينَ القادرِينَ على تفكيك المشهد»، نقاشًا واسعًا حول طبيعة التحليل السياسيِّ في الإعلام. فرغم كثرة الكُتَّاب الذين يُغطُّونَ الأحداث، يبقى إنتاج التَّحليل العميق محدودًا، نتيجة غياب المنهجيَّات - لدى أكثرهم- حيث بتوافرها تُكشَف الدلالات، وتُحدَّد المسارات، وتتضح ما وراء الوقائع.
المرحلة الحاليَّة تشهد تداخلًا معقَّدًا في المشهدَين الإقليميِّ والدوليِّ؛ ما يفرض حاجةً شديدةً إلى تحليل قادرٍ على فهم التفاعلات، وقراءة الدوافع، وصياغة السيناريوهات المحتملة. هذا النوع من التَّحليل يتجاوز السَّرد الوصفيَّ، ويتطلَّب قدرة على الربط المنهجيِّ بين المتغيِّرات، وتحويل تراكم الأحداث إلى رُؤية تحليليَّة تساعد على صنع القرار، وصياغة الوعي العام. وتعكس هذه الإشكاليَّة ضعفًا في البنية الصحفيَّة والإعلاميَّة المعنيَّة بإنتاج المعرفة لدى العديد من المؤسَّسات. فالانتقال من ثقافة «نقل الخبر» إلى ثقافة «تفكيك المشهد»، يحتاج إعادة صياغة لدور مراكز الدِّراسات في كثير من المؤسَّسات الإعلاميَّة، بحيث تتحوَّل إلى فضاءات بحثيَّة تولِّد أدوات التَّحليل، وتدعم الكفاءات، بدلًا من الاقتصار على التفاعل مع ضغط الأخبار اليوميَّة.
كثير من هذه المراكز يعتمد على إنتاج تحليلات سريعة، تستهلك اللحظة، من دون بناء منظومات بحثيَّة طويلة الأمد، أو إعداد محلِّلِينَ قادرِينَ على التفكير الإستراتيجيِّ.
ويبرز هنا الفرق بين ناقل الخبر، ومفكَّك المشهد. فالأول يعمل ضمن إطارٍ وصفيٍّ يستند إلى جمع التَّصريحات والوقائع، ويُقدِّم قراءةً آنيَّةً محدودةً. أمَّا المحلِّلُ العميقُ فيدرس العلاقات بين القوى المؤثِّرة، ويتتبَّع مصالحها وحساباتها، ويستخدم أدوات مُستمدَّة من نظريَّات العلاقات الدوليَّة والجغرافيا السياسيَّة، وتحليل النُّظم، ليصل إلى فهمٍ أشمل للسِّياق، واستشرافٍ للتطورات الممكنة.
ويبقى إعداد هذا النوع من المحلِّلِينَ مرتبطًا ببيئة مؤسسيَّة تستقبل مختلف الخبرات. فالتَّحليلُ السياسيُّ لا ينحصر في التكوين الأكاديميِّ، فالمهارات الميدانيَّة لدى خبراء الاقتصاد والتقنية والإعلام والقطاع الخاص، تضيف أبعادًا جوهريَّةً للفهم السياسيِّ. ودمج هذه الخبرات يُثري التَّحليل بمنظورٍ متعدِّد التخصُّصات، ويساعد على تفسير تأثير العوامل الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة على صانع القرار. ويمكن لمراكز الدراسات تعزيز هذا التكامل عبر برامج استضافة للخبراء، ولجان استشاريَّة متنوِّعة، وورش عمل تجمع الأكاديميَّ بالممارسِ.
وتتجلَّى أزمة «مفكِّكي المشهد»، في قصور إنتاج المعرفة التحليليَّة. أمَّا التحوُّل المطلوب؛ فيأتي عبر ترسيخ منهجيَّات التفكير النقديِّ، وتمكين مراكز الدِّراسات، وتوسيع المشاركة لتشمل الكفاءات الأكاديميَّة والميدانيَّة. ومع هذا التحوُّل، يصبح المحلِّل القادر على التفكيك «رافعة» لصناعة القرار، و»ركيزة» في بناء وعي عام يفهم تعقيدات عصره، ويتعامل معها بثقةٍ ورُشد.


