في زمنٍ لم يعد للقلمِ ما كان يحظَى به من مساحةٍ: وحيد زمانِهِ، أصبحَ في ظلِّ (هجة) لوحة المفاتيح في عداد: حضارة سادت، ثمَّ بادت، عدا من حضورٍ مقتضبٍ تفرضه طبيعةُ الموقفِ من توقيعٍ أو تعليقٍ أو إشارةٍ إلى مَن يهمُّه الأمر.
وبكل أسفٍ، واكب ذلك إخراجُ (الخطِّ) كمادةٍ مقرَّرةٍ من مقاعد الدِّراسةِ، فأصبحَ خطُّ الطالبِ في ظلِّ كلِّ تلك المعطياتِ -إنْ ألزمتُه الحاجةُ- لا يتجاوزُ (خربشاتٍ)، لا يُعرف أوَّلها من آخرِها، وأظهر ما يكون ذلك كمقياسٍ عاجلٍ أنْ يكتبَ الطالبُ اسمَه! فكيف له أنْ (يُخارجَ) نفسه فيما عدَا ذلك؟!
الخطُّ مقوِّمٌ أصيلٌ، وأساسٌ معتبرٌ في سير حياة الإنسان، فبدونهِ يفقدُ قناةَ تواصله (الماديِّ) مع مَن حوله، ومهما بلغ من تطوُّر، واتِّساع لمساحة (الكيبورد)، و(الذَّكاء الاصطناعيِّ) في تدبير أمور حياتهِ، يظلُّ خطُّ يدهِ ملجأَه الآمن، ولسانَ حالهِ الأمين، الذي لا غِنَى له عنه، مهما كانت قوَّة تحييدهِ، وإقصائهِ من حياته.
وهذا جانبٌ أُغفل -بكلِّ أسفٍ- أقولها للمرَّة المليون، عندما تمَّ اتِّخاذ خطوة إقصاء الخط، والإملاء، كمواد بكيانٍ مستقلٍّ تدريسًا، وتقويمًا، أسهم في ذلك -أيضًا- التوسُّع حدَّ (الهيمنة) المطلقة للأسئلة الموضوعيَّة، التي لا تحتاج أكثر من إشاراتٍ، وفي مراحل هيمنة متقدِّمة إلى مجرَّد (تظليلٍ)، بينما اختفتِ الأسئلةُ (المقاليَّة)، التي سلاحُ الطالبِ فيها فهمٌ، وقلمٌ، وحرفٌ، وتبعاتٌ: كلَّما كان الخطُّ (جميلًا) كان التأثيرُ في انطباعِ الأستاذِ، ومن ثمَّ التَّقييم مباشرًا.
في وقت كان التنافس بين خطَّي النَّسخ، والرُّقعة على أشدِّه، وكان تعلُّم (رسم) الحرفِ بالتكرارِ منهجًا دارجًا معتادًا، يهدف إلى ترسيخ أهميَّة الخطِّ، وجمالِهِ في حياة الطالب، فيما يأتي توقيعُ المعلِّم بـ(حُسن خطِّك) تأكيدًا دائمًا على عدم رِضَاه المبنيِّ على أهميَّة الخطِّ في إجلاء إجابة الطالبِ، ومن ثَمَّ الحكم (بنجاحِهِ) من عدمِهِ.
في ظلِّ ما سبق، قد يرى البعضُ أنَّ القلم، ومَن ثَمَّ الخطَّ لم يعدْ له حاجةٌ، كما هي معطياتُ العصر، التي أخذت مكانه، وأغنتْ عنهُ، إلَّا أنَّ فُجاءة (الحاجة) تكشفُ المستورَ، ليس في مجرَّد جمال الخطِّ من عدمه، ولكنَّ الأمرَ تجاوز إلى الطريقة الصَّح في (مسكةِ) القلم، في وقتٍ كل يستطيعُ قياسَ ذلك من خلال طلبٍ بسيطٍ أن يكتبَ ابنُك اسمَه، وما يُمْلَى عليهِ، عندها لن يتردَّد أحدٌ في (التصويت) لعودة كرَّاسة الخطِّ، والوجه الآخر لعملة (الأهميَّة القصوَى) مادة الإملاءِ، وعِلْمِي، وَسَلامَتكُم.


